آسفي، القصر الكبير، تطوان وتازة… والماء يقتل ويشرد ويشل حركة السير دون سابق إشعار

ضربة قلم
لم يكن الشتاء هذه المرة عابرًا، ولا المطر مجرّد حدث موسمي، يُلتقط له بعض الصور وينتهي الأمر. بعد أكثر من تسع سنوات من الهدوء النسبي، عاد المطر إلى المدن المغربية، لا كضيف ثقيل، بل كـ مفتش صارم، يحمل في يده محضر معاينة، ويفتح دفاتر مؤجلة منذ سنوات.
وفي أقل من ساعة واحدة، سقط القناع.
فاجعة آسفي: ساعة واحدة كانت كافية
في مدينة آسفي الساحلية، لم يكن أحد يتوقع أن يتحوّل هطول المطر إلى مأساة وطنية. دقائق قليلة من التساقطات القوية كانت كافية لتغرق أحياء بأكملها، وتحوّل طرقًا إلى مجارٍ، وفضاءات سكنية إلى مصائد موت.
سبعة وثلاثون روحًا أُزهقت في زمن قياسي.
37 اسمًا، 37 عائلة، ومدينة كاملة، دخلت في حالة ذهول.
لم يكن المشهد فيلما كارثيًا، بل واقعًا صادمًا: سيارات جرفتها السيول، منازل غمرتها المياه، وأحياء قديمة، لم تصمد بنيتها أمام ضغط المطر، وكأنها بُنيت على افتراض أن السماء لن تمطر أبدًا.
هنا، لم يعد السؤال: لماذا المطر كان قويًا؟
بل: لماذا كانت المدينة هشة إلى هذا الحد؟
من آسفي إلى القصر الكبير: حين تُفرغ المدن قسرًا
لم تكد صدمة آسفي تخف، حتى جاء الدور على مدينة القصر الكبير.
مدينة الأمس، التي حملت في ذاكرتها فيضانات قديمة، وجدت نفسها تُفرغ قسرًا. منازل تُخلى على عجل، أحياء تُطوّق، وسكان يخرجون، بما خفّ وزنه من ذكرياتهم، دون أن يعرفوا إن كانوا سيعودون.
القصر الكبير لم تغرق فجأة فقط، بل انكشف تاريخ طويل من التغاضي:
-
قنوات صرف ضيقة
-
توسّع عمراني غير محسوب
-
بنايات شُيّدت فوق هشاشة
-
ووعود متراكمة لم تجد طريقها إلى الأرض
المدينة، لم تنهَر في تلك الليلة، لكنها اعترفت قسرًا بأنها لم تكن مستعدة.
تطوان تغرق وتتعطل حركة السير
شهدت مدينة تطوان بدورها، تساقطات مطرية استثنائية، تسببت في فيضانات قوية، ما أدى إلى انقطاع شبه تام للمحاور الطرقية الرئيسية، وربط المدينة بباقي المدن، ووضعها في حالة عزلة حتى صباح الأمس. ورغم تحذيرات لجنة اليقظة الإقليمية، واستنفار السلطات المحلية والأمنية، ومصالح الوقاية المدنية، فاق ارتفاع منسوب المياه، قدرة الطرق على الاستيعاب، مما أدى إلى شل حركة السير، وإرباك وسائل النقل العمومي. شملت الانقطاعات المحاور الرابطة بين تطوان ومرتيل، الفنيدق، الحسيمة، شفشاون وطنجة، إضافة إلى الطريق الوطنية نحو الرباط، فيما بقيت بعض المسارات المحدودة، خاضعة للتقييم المستمر. ودعت السلطات المواطنين، إلى تجنب التنقل غير الضروري، والالتزام بتعليمات السلامة إلى حين تحسن الأحوال الجوية.
تازة… حين يرتفع منسوب القلق مع منسوب المياه
لم يكن ارتفاع منسوب مياه وادي الأربعاء ووادي الدفالي، أول أمس، مجرد خبر عابر في إقليم تازة، بل إنذارًا ميدانيًا، كشف هشاشة التوازن بين الطبيعة والعمران. المياه الزاحفة غمرت عددًا من المنازل المجاورة، وفرضت على السلطات المحلية التحرك العاجل، حيث جرى إجلاء الساكنة المتضررة وتأمين مراكز إيواء مؤقتة، في سباق مع الزمن لتفادي الأسوأ.
العملية أسفرت عن إخلاء 23 منزلًا بحي الملحة، التابع ترابيًا للملحقة الإدارية السادسة، في مشهد طغى عليه الانضباط وروح المسؤولية، إذ فضّل أغلب السكان الإيواء لدى ذويهم، استجابة لنداءات الإخلاء، دون فوضى أو ارتباك، لكن ذلك لا يخفي حجم القلق الذي فرضه الوضع.
في تازة، لم تصل المياه بعد إلى حد شلّ المدينة، أو فرض قرارات إغلاق شاملة، غير أن ارتفاع منسوبها وحده كان كافيًا ليطرح أسئلة ثقيلة حول جاهزية البنية التحتية، وقدرتها على الصمود، أمام تقلبات مناخية، باتت أكثر حدّة وتكرارًا. فغياب قرار الإغلاق لا يعني بالضرورة غياب الخطر، بل قد يعكس ترقّبًا حذرًا لتطور الوضع، في مدينة تعرف جيدًا أن المفاجآت المناخية لا تمنح دومًا وقتًا إضافيًا للتفكير.
وعندما تصبح الأودية، عنصر تهديد صامت، وتتحول الأحياء السكنية، إلى نقاط هشّة، أمام أول موجة قوية، فإن الإشكال يتجاوز لحظة المطر، ليصل إلى سؤال الوقاية والاستباق:
هل ننتظر أن تلامس المياه، أبواب المدارس والمرافق الحيوية، لنفكّر في التعليق والإغلاق؟
أم أن الدرس واضح، والرسالة وصلت، قبل أن تتكرر مشاهد الإجلاء، في سيناريو أكثر قسوة؟
في تازة، الماء لم يعلن الطوارئ بعد… لكنه قرع الباب بقوة.
وفي سياق متصل، أعلنت السلطات المغربية عن انقطاع عدد من المحاور الطرقية الحيوية، من بينها طرق رئيسي، تربط طنجة بتطوان، إلى جانب محاور أخرى بكل من العرائش والقنيطرة وسيدي قاسم وسيدي سليمان، وذلك نتيجة الارتفاع المتسارع لمنسوب المياه. وفي الوقت الذي شُلّت فيه حركة السير بعدة مناطق، تواصل فرق الإنقاذ والإغاثة، تدخلاتها الميدانية بالمناطق المهددة، في سباق مع الزمن لتفادي الأسوأ.
المطر ليس المتهم… المتهم هو الصمت
ما يجمع بين آسفي، القصر الكبير، تطوان، وتازة، ليس كمية الأمطار فقط، بل:
-
سنوات من التأجيل
-
ترقيعات ظرفية بدل حلول جذرية
-
غياب ربط المسؤولية بالمحاسبة
-
والتعامل مع البنية التحتية كملف ثانوي لا يظهر إلا عند الكوارث
الشتاء لم يأتِ ليُفاجئنا، بل جاء ليذكّرنا.
ذكّرنا بأن المدن لا تُقاس بعدد الأرصفة الجديدة، ولا بطلاء الواجهات، بل بقدرتها على حماية سكانها عندما تختبرها الطبيعة.
ما بعد الفيضانات: أسئلة بلا أجوبة
بعد كل فاجعة، تُطرح الأسئلة نفسها:
-
من المسؤول؟
-
أين ذهبت ميزانيات الإصلاح؟
-
لماذا تتكرر السيناريوهات؟
-
ولماذا لا نتحرك إلا بعد سقوط الضحايا؟
لكن الأخطر من الأسئلة، هو النسيان السريع.
أن نطوي الصفحة، وننتظر شتاءً آخر، ومدينة أخرى، وضحايا جدد.
خاتمة: المدن التي نجت… ليست أفضل حالًا
المدن التي لم تغرق هذه المرة، ليست بالضرورة في مأمن.
هي فقط لم تُختبر بعد.
فالشتاء لا يفرّق، والمطر لا يختار ضحاياه، لكن الهشاشة تفعل.
ويبقى السؤال الكبير معلقًا:
هل نحتاج إلى مأساة جديدة، أم إلى شجاعة سياسية وتقنية تعترف بأن البنية التحتية ليست ترفًا، بل شرطًا للحياة؟
الشتاء قال كلمته…
والكرة الآن في ملعب من اعتادوا الصمت.




