الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

آيت بوكماز تنتفض: الكرامة تمشي على أقدامها في غياب الدولة

ضربة قلم

في جبال آيت بوكماز، حيث السماء أقرب من الحكومة، قرر السكان أن يصنعوا الطريق بأقدامهم حين خذلتهم الجرافات والوعود. لم ينتظروا قراراً من مجلس، ولا وثيقة من لجنة، ولا خرائط تنموية تُرسم في مكاتب مكيفة. هناك، حيث تنتهي الإسفلتات وتبدأ الأحذية المشقوقة، خرجت القافلة. خرجت الأرض لتحتج، لا الناس فقط.

آيت بوكماز، الحوض المعلق بين جبال صماء، قال كفى. كفى من ترف المدن وثرثرة المخططات التي لا تصل إلى حيث الماء لا يصل. من هناك، من عمق التهميش، تمددت سلسلة بشرية كأنها جرح مفتوح على صمت الدولة. سلسلة لا تربط بين بشر فقط، بل بين الوجع والأمل، بين القهر والكرامة.

لافتات القافلة لم تكن مجرد مطالب، بل كانت لائحة اتهام مفتوحة ضد كل السياسات العمومية التي قررت أن العالم ينتهي عند حدود الطرق المعبدة. طالبوا بطريق؟ نعم. لكن الطريق لم تكن مجرد إسفلت، بل كانت سؤالاً وجودياً: هل نحن جزء من هذا الوطن أم نعيش في خريطته فقط كزينة جغرافية؟

طالبوا بنقل مدرسي لا لتقليص الهدر فقط، بل لحماية أحلام الفتيات من الاندثار المبكر. طالبوا بطبيب، لا كرفاه صحي، بل كحق أولي في النجاة من الألم. طالبوا بسيارة إسعاف، لا لنقل الجثث، بل لإنقاذ من لا يملك ثمن البنزين ولا رخصة التوسل.

الهواتف لا ترن هناك إلا إذا اقتربت من قمم الجبال. الإنترنت؟ مجرد نكتة. أما الماء، فرفاهية معلقة بين مشروع مؤجل وسد تلي لم يولد بعد. ومع ذلك، يبتسمون. ويواصلون. لا يسألون عن الكثير، فقط عن الحد الأدنى من الحياة التي تستحق أن تُعاش.

هذه ليست قافلة احتجاج. هذه طلقة تحذيرية من عمق مغرب يُراد له أن يبقى على الهامش. طلقة بلا بارود، لكنها تصيب مباشرة في الضمير. هذه سلسلة بشرية، نعم، لكنها في جوهرها سلسلة سياسية، ثقافية، أخلاقية… تعرّي هشاشة النموذج التنموي حين ينهار أمام اختبار بسيط اسمه “الإنصاف المجالي”.

الناس هناك لا يطلبون المستحيل، بل فقط أن يُعاملوا ككائنات كاملة الأهلية، تستحق المدارس والماء والدواء… والمستقبل.

فهل من يسمع؟ أم أن الصدى وحده هو الذي تعلّم أن يعود إلى الجبال؟

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.