
ضربة قلم
أبشّروا وبمشّروا يا إخواني، الغاز جا والكرم شاع، لكن لا تفرطوا في الفرح، فقد تعودنا في هذا البلد السعيد أن نكتشف الذهب تحت الرمال، ثم نجد أنفسنا نبيع السواك على أرصفة المجهول. ها هي شركة “شاريوت” البريطانية، بعد أن كانت شريكة ناعمة في التنقيب، عادت وأصبحت العروسة والفرقة والمقدم، بعدما استعادت حصصها من “إينرجيان بي إل سي” وكأننا في صفقة عقارية بباب دكالة. والنتيجة؟ أصبحت “شاريوت” سيدة الموقف بنسبة 75%، بينما المكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن يقنع بـ25%، وربما يشرب الشاي في الكواليس.
نعم يا سادة، “شاريوت” تحفر وتحفر، وحين تجد الغاز تقول: آه لقد وجدنا طبقات حاملة… لكنها ليست كافية لتوسيع المشروع. شيء ما يشبه أن تعثر على كنز في بيتك، ثم يقول لك الأجنبي: “حسناً، هذا الذهب جيد، لكنه لا يلمع كما كنا نتوقع. دعونا نعيد حساباتنا.” في حين يرد المواطن المغربي البسيط: أشنو قلتي؟ لقاو الغاز ولا مزال؟… لتجيبه الحكومة بنشرة مسائية: “كل شيء على ما يرام، نحن بصدد تقييم جودة الفاصل الرئيسي!”.
ويا حسرة على “أنشوا”، البئر التي حُفرت ثلاث مرات، وآخرها في شتنبر 2024، ولا تزال تقاوم بصبر المحكوم بالإعدام. البئر التي تشبه مائدة الإفطار الرمضانية في دار العجزة: فيها رائحة وعد، لكن لا شبع، فيها طبقات “ذات جودة جيدة” ولكنها دون الكفاية، وكأن الجودة وحدها تكفي لإشعال مدفأة في الشتاء القارس.
ومع ذلك، تبشّرنا “شاريوت” أنها ستعيد تقييم الخطة، ستتعاون، ستتمهل، ستراجع، وربما في المستقبل ستطور المشروع “بناءً على الموارد المكتشفة”… أي أننا باختصار أمام مرحلة ما قبل مرحلة الانطلاق، مع طقوس هندسية، وموافقات بيئية، وتمويل يبحث عن تمويل، ومبيعات غاز في سوق لم نر له سوقاً.
أما الرئيس التنفيذي، صاحب الاسم الأسطوري أدونيس بوروليوس – والذي يبدو أن اسمه وحده يحمل وعداً بالتنمية المستدامة – فقد طمأننا قائلاً: “أساسيات سوق الغاز في المغرب تظل قوية”، وهذا يشبه قول النادل في مقهى شعبي: أتاي واجد، خاص غير اللي يخلص. فالسوق قوي فعلاً، لكن ما زلنا نشتري القارورة بـ60 درهمًا ونصلي أن لا تنفجر في المطبخ.
وتعهد بوروليوس بالتعاون مع كل الأطراف، من المكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن إلى وزارة الانتقال الطاقي، ولن نستغرب إن تمت استشارة “جمعية أصدقاء البيئة في مرس الخير” أيضًا، لأننا في وطن المشاريع المتأنية، حيث الغاز يُكتشف في البحر، والدفء يُنتظر في البر، والمواطن يكتفي بالخبر.
فأبشروا أيها المواطنون، لقد تقدمنا خطوة مهمة: أصبح عندنا “مشغل رئيسي” بريطاني، وخريطة طريق غازية، ووعود بتقييم محتمل، وكل ما ينقص هو: الغاز.
لكن لا داعي للعجلة، فالخير قادم… وربما حين يكتمل المشروع، سيعود الحفيد ليقرأ في الأرشيف أن جدّه سمع في يوم ما أن المغرب كان قاب قوسين أو أدنى من أن يشعل مدفأة وطنية من بحر “أنشوا”.




