
ضربة قلم
في المغرب، لم يعد المواطن البسيط، يحتاج إلى قراءة البرامج السياسية أو متابعة المؤتمرات الحزبية، ليفهم ما يجري. يكفيه أن ينظر إلى بعض الوجوه التي تتصدر المشهد، حتى يطرح سؤالاً بسيطاً: كيف وصل هذا الشخص إلى هنا؟ وما الذي يؤهله لقيادة حزب يفترض، أنه يدافع عن هموم ملايين المواطنين؟
أحياناً يخيل إليك أن بعض الأحزاب، لا تبحث عن زعيم يمتلك رؤية أو مشروعاً مجتمعياً، بل عن شخص مصنوع من الكارتون؛ خفيف الوزن سياسياً، لا يزعج أحداً، ولا يملك من المبادئ، إلا ما يكفي لالتقاط صورة تذكارية في مؤتمر حزبي. زعيم يمكن طيه ووضعه في الخزانة عند انتهاء المهمة، ثم إخراجه عند الحاجة، لإلقاء خطاب عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
بعض هذه التنظيمات لا تشبه الأحزاب بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل تبدو أقرب إلى تجمعات، تحمل شعاراً غير معلن: “أنا ومن بعدي الطوفان”. أما المواطن، فله الله… يصفق في الحملات الانتخابية، ويصوت يوم الاقتراع، ثم يعود إلى بيته ليواجه فواتير الماء والكهرباء وارتفاع الأسعار وقائمة طويلة من الهموم التي لا تجد طريقها إلى الاجتماعات المكيفة.
المؤلم أن المغاربة، يعيشون منذ سنوات ضغطاً اجتماعياً واقتصادياً خانقاً. القدرة الشرائية، تنكمش مثل قميص صوفي، تم غسله بالماء الساخن، والأسعار تواصل تسلقها للسماء، وكأنها تشارك في سباق نحو المريخ. الفقر يتمدد، والبطالة تلتهم أحلام الشباب، فيما تتفاقم مظاهر اجتماعية مقلقة من انحراف وتفكك وهشاشة وإحساس عام باللايقين.
لكن كل هذه المآسي، لا تبدو أولوية بالنسبة لبعض محترفي السياسة. فهناك من يتعامل مع العمل الحزبي كاستثمار خاص، هدفه الأول والأخير الوصول إلى المناصب والامتيازات. المواطن بالنسبة إليهم مجرد رقم انتخابي، يظهر كل خمس سنوات، ثم يعود إلى الظل، أما هم ،فيبقون تحت الأضواء، يتبادلون الحقائب والكراسي، وكأن السياسة لعبة موسيقية لا تنتهي.
في الماضي، كانت الأحزاب، رغم اختلاف التوجهات والإيديولوجيات، تخوض معارك اجتماعية حقيقية. كان هناك من يتحدث عن الفقر، وعن المدرسة العمومية، وعن العدالة الاجتماعية، وعن الفلاح الصغير والعامل البسيط. كانت السياسة، على الأقل، تحمل شيئاً من النبل ومن الإحساس بمعاناة الناس.
أما اليوم، فيشعر كثير من المواطنين أن السياسة، فقدت جزءاً كبيراً من روحها، وأن بعض “الفاعلين”، تحولوا من أصحاب مشاريع إلى خبراء في اقتناص الفرص. يتغير الخطاب بتغير المواقع، وتتبدل المواقف بتبدل المصالح، حتى صار بعض السياسيين يشبهون تطبيقات الهواتف الذكية التي تتلقى تحديثاً جديداً، كلما اقترب موعد تشكيل الحكومة.
المواطن المغربي لا يطلب المستحيل. لا ينتظر معجزات اقتصادية، ولا مدينة من الفوسفاط، ولا رواتب على الطريقة الإسكندنافية. كل ما يريده هو أن يجد من يشعر بوجعه، من ينظر إلى معاناته بعين المسؤولية، لا بعين الحسابات السياسية الضيقة.
فالبلدان، لا تبنى بالشعارات الرنانة، ولا بالصور الرسمية، ولا بالخطب التي تنتهي صلاحيتها، بمجرد إطفاء كاميرات التلفزيون. البلدان تبنى برجال ونساء يؤمنون، بأن السياسة خدمة عامة، وليست سلماً للثروة أو طريقاً سريعاً نحو الامتيازات.
ويبقى السؤال الذي يطرحه المغاربة في المقاهي والأسواق ووسائل النقل: متى تعود السياسة إلى معناها الحقيقي؟ ومتى يصبح الحزب، فضاءً للدفاع عن المواطن، لا مجرد منصة لتبادل الأدوار بين محترفي المناصب؟
إلى أن يحدث ذلك، سيظل كثيرون ينظرون إلى بعض الأحزاب، كما ينظر الأطفال إلى دمى الكارتون: ألوان كثيرة، حركة مستمرة، وضجيج كبير… لكن من دون روح.




