
ضربة قلم
بيتٌ حفظه ملايين التلاميذ عن ظهر قلب، وردده الآباء والأمهات، وزُيّنت به جدران المدارس، حتى أصبح شعارًا يختزل مكانة المعلم في الوعي العربي.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل يكفي أن نردد بيتًا من الشعر، بينما يعيش كثير من رجال ونساء التعليم، في ظروف تجعلهم يطاردون لقمة العيش، أكثر مما يتفرغون لصناعة الأجيال؟
وربما لو عاش أحمد شوقي في زمننا هذا، لقال:
“قم للمعلم وفِّه التبجيلا… ولكن أولًا وفِّه حقه.”
لأن الأمم التي تحترم التعليم، لا تكتفي بكتابة القصائد، بل تترجمها إلى سياسات وأجور وظروف عمل، تحفظ كرامة المعلم.
يكفي أن نلقي نظرة على عدد من الدول الأوروبية.
في ألمانيا، يبدأ راتب المعلم غالبًا بما يعادل أكثر من 4000 يورو شهريًا، ويرتفع مع الأقدمية والخبرة، إلى مستويات أعلى بكثير.
وفي فرنسا، يحصل المعلم على راتب يتطور تدريجيًا مع سنوات الخدمة، إضافة إلى منح وتعويضات مختلفة مرتبطة بالمهنة والتجهيز والتكوين المستمر.
أما في بلجيكا وهولندا، فتُعد مهنة التعليم من الوظائف المستقرة ذات الامتيازات الاجتماعية، مع رواتب ترتفع بشكل ملحوظ مع الخبرة، وتصل في مراحل متقدمة، إلى عدة آلاف من اليوروهات شهريًا.
وفي النرويج والسويد، لا يُنظر إلى التعليم باعتباره مجرد وظيفة، بل باعتباره استثمارًا في مستقبل المجتمع، ولذلك يحظى المعلم برواتب جيدة، وتأمين صحي، وتقاعد محترم، وتكوين مستمر، وبيئة عمل، تجعل المهنة، جاذبة لا طاردة.
ولا يتعلق الأمر بالراتب فقط.
فالأستاذ في كثير من هذه الدول لا يُرهق بالأعمال الإدارية التي تستهلك وقته، ولا يُترك وحيدًا أمام الاكتظاظ ونقص الوسائل، بل يجد فرقًا للدعم النفسي، ومستشارين تربويين، وتجهيزات رقمية، واحترامًا حقيقيًا من المجتمع ومن مؤسسات الدولة.
فالدول التي تتحدث عن اقتصاد المعرفة، تعلم جيدًا أن المعرفة، لا يصنعها الإسمنت، ولا الطرق السيارة، ولا الأبراج، وإنما يصنعها معلم، يقف كل صباح أمام سبورة، وهو يشعر بأن وطنه يقدره.
أما في المغرب…
فالمفارقة مؤلمة.
فالمعلم الذي يُطلب منه أن يصنع الطبيب، والمهندس، والقاضي، والوزير، ورجل الأعمال، يبدأ أجره الصافي في التعليم الابتدائي والإعدادي، من حوالي 6895 درهمًا شهريًا.
قد يرى البعض أن هذا المبلغ، ليس هزيلًا على الورق، لكن حين يُقارن بغلاء المعيشة، وارتفاع أسعار السكن، والنقل، والغذاء، ومتطلبات الأسرة، يصبح السؤال مشروعًا: هل يكفي هذا الأجر، ليعيش الأستاذ بكرامة، وهو الذي يحمل على عاتقه مسؤولية تكوين أجيال كاملة؟
ثم إن المقارنة، لا تتعلق بالأجر وحده، وإنما بما يرافقه.
ففي عدد من الدول الأوروبية، يحصل المعلم على امتيازات اجتماعية ومهنية متعددة، بينما يواجه كثير من رجال ونساء التعليم في المغرب، تحديات مرتبطة بالاكتظاظ، وتفاوت البنية التحتية بين المؤسسات، وضغط الإصلاحات المتتالية، وكثرة الأعباء الإدارية، فضلاً عن الجدل المستمر، حول الأنظمة الأساسية وظروف الممارسة.
إن المجتمع الذي يطلب من معلمه، أن يكون رسولًا، لا يجوز أن يطالبه في الوقت نفسه، بأن يقضي سنوات عمره، وهو منشغل بكيفية تسديد أقساط السكن، أو تدبير مصاريف نهاية الشهر.
فالاحترام الحقيقي، لا يبدأ بالتصفيق في اليوم العالمي للمدرس، ولا بتعليق بيت أحمد شوقي على جدران المدارس، بينما يظل المعلم، ينتظر من يترجم ذلك التبجيل إلى واقع يعيشه.
الاحترام الحقيقي، يبدأ عندما يشعر الأستاذ بأن الدولة تعتبره استثمارًا لا عبئًا، وأن راتبه، وظروف عمله، وتكوينه، ومكانته الاجتماعية، كلها تعكس حجم الرسالة التي يحملها.
لقد كان أحمد شوقي شاعرًا، فكتب بيتًا خالدًا.
أما الدول المتقدمة، فلم تحفظ البيت عن ظهر قلب فقط، بل حاولت أن تحوله إلى واقع.
أما نحن، فما زلنا نردد:
“قم للمعلم وفِّه التبجيلا…”
ثم نطلب منه، بعد انتهاء الدوام، أن يبحث عن عمل إضافي، أو ساعات خصوصية، أو مصدر دخل آخر، حتى يستطيع أن يعيش حياة كريمة.
وهنا تكمن المفارقة التي لا تحتاج إلى قصيدة جديدة، بل إلى مراجعة حقيقية لأولوياتنا.
لأن الأمم لا تُبنى بالشعارات، وإنما تُبنى حين يصبح احترام الأستاذ واقعًا يُعاش، لا بيتًا شعريًا يُردد.




