
ضربة قلم
في مكناس، عاد عاملات وعمال شركة “سيكوم-سيكوميك” إلى الشارع، لا للمطالبة بامتيازات أو زيادات خيالية، بل بحقوق، يقولون إنهم ينتظرونها منذ خمس سنوات بعد طردهم من العمل. خمس سنوات… مدة تكفي لطفل أن يتعلم القراءة والكتابة، لكنها لم تكن كافية، ليقرأ أحد معاناتهم، أو يكتب نهاية عادلة لملفهم.
الأكثر إيلاما، أن اعتصاما في الشارع العام استمر لأكثر من سنتين، حتى صار الرصيف يعرف أسماء المعتصمين، أكثر مما تعرفها الجهات التي يفترض أن تبحث عن حلول. تعاقبت الفصول والأعياد والمناسبات، بينما بقيت الحقوق مؤجلة… ربما لأنها لا تدخل ضمن برنامج المهرجانات.
ويا لها من مفارقة! ففي الوقت الذي كانت فيه مكناس تفتتح مهرجان عيساوة بالأضواء والاحتفالات، كان على بعد أمتار فقط عمال يرفعون أصواتهم طلبا للكرامة. هناك تصفيق، وهنا صرخات. هناك موسيقى، وهنا وجع. وكأن المدينة تعيش عالمين متوازيين: عالم يحتفل، وآخر يطالب فقط بحقه في العيش الكريم.
المشهد يختصر كل شيء: باطرون شركة يُتداول اسمه كمرشح محتمل للانتخابات المقبلة، وفي الجهة المقابلة عاملات مصنعه يرفعن شعارات الاحتجاج ويطالبن بحقوق يقلن إنها ضاعت منذ سنوات. وكأن الرسالة أصبحت واضحة: “أريد أصواتكم في صناديق الاقتراع… أما عندما تطالبون بحقوقكم، فستجدون أمامكم من يفرق وقفاتكم لا من يستمع إليكم”.
وإذا كانت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، قد تحدثت عن تعرض المحتجين للدفع والرفس والسحل أثناء تفريق وقفتهم، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا تتحرك وسائل الردع بسرعة البرق، بينما تتحرك الحلول بسرعة السلحفاة؟
المفارقة الأكبر أن بعض الأسماء، تستعد اليوم لدخول البرلمان، تحت شعارات الدفاع عن المواطن وخدمة التنمية، بينما يوجد مواطنون يقولون إنهم لم يحصلوا بعد على أبسط حقوقهم. فكيف سيقنع من لم ينجح في إنهاء أزمة اجتماعية عمرها سنوات، الناس بأنه قادر على حل مشاكل أمة بأكملها؟
إن المواطن المغربي لم يعد تنطلي عليه الخطب الرنانة، ولا الصور الضخمة المعلقة في الشوارع. ما يريده بسيط جدا: أن يشعر بأن القانون يحمي الجميع، وأن الكرامة ليست وعدا انتخابيا ينتهي مفعوله بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يطارد كل موسم انتخابي: هل المطلوب من المواطن أن يمنح صوته أولا حتى يصبح مؤهلا للمطالبة بحقه؟ أم أن الحقوق في دولة المؤسسات، يجب أن تكون مضمونة قبل الانتخابات، لا أن تتحول إلى مكافأة بعدها؟
فالذي ينام منذ سنوات على الرصيف دفاعا عن لقمة عيشه، لا يحلم بمقعد برلماني، ولا بمنصب سياسي، ولا بصورة على ملصق انتخابي. كل ما يحلم به أن يعود إلى بيته آخر النهار، حاملا خبزا لأطفاله، لا لافتة احتجاج جديدة.




