
م-ص
كان الحي الشعبي في تلك السنوات، يشبه قلباً كبيراً يخفق بالحياة رغم كل شيء.
كانت الأزقة الضيقة، تتشابك كخيوط قديمة، والجدران المتهالكة تحفظ أسراراً، أكثر مما تستطيع الذاكرة أن تستعيده. في الصباح، كانت رائحة الخبز الساخن، تتسلل من المخبزة التقليدية، وتختلط ببخار الحمام البلدي، وبصوت الباعة المتجولين، الذين كانوا يوقظون النهار بأصواتهم المتعبة.
كانت تلك أياماً ثقيلة في البلاد، أياماً كان الناس يهمسون، فيها أكثر مما يتكلمون. وكان الخوف، مثل ظل طويل، يمشي أحياناً خلف الكلمات.
وفي ذلك الحي بالذات، كانت هناك امرأة يعرفها الجميع…
امرأة لم تكن تحتاج إلى أن ترفع صوتها كثيراً، حتى يفهم الناس ما تريد.
كانت تدخل الحمام التقليدي، كما يدخل قائد إلى ساحة يعرفها جيداً.
لا أحد يسألها أين ستجلس.
لا أحد يسبقها إلى المكان الذي تختاره.
كانت النساء، وهن يحملن أواني الصابون البلدي والحناء، يتبادلن نظرات صامتة، ثم يفسحن لها الطريق، دون جدال. كانت تتحرك بثقة غريبة، كأنها صاحبة المكان، وكأن كل شيء فيه، وُجد ليخدم مزاجها.
وفي المخبزة أيضاً، كان المشهد يتكرر بطريقة أخرى.
تقف في آخر الصف، أحياناً بعد عشر نساء أو أكثر.
لكن صاحب الفرن، ما إن يلمحها، حتى يرفع رأسه ويسأل بصوت عالٍ:
– “آش بغيتي للاّ؟”
فتتقدم بخطوات بطيئة، وكأن الدور كله، كان مجرد تفصيل صغير، لا يستحق النقاش.
لم يكن الأمر مجرد احترام.
كان شيئاً يشبه الخوف.
فهي، كما كان الجميع يعرف، زوجة شرطي.
وفي تلك السنوات، كان هذا اللقب وحده، يكفي ليجعل الناس يعيدون حساباتهم في الكلام، وفي النظرات، وحتى في الصمت.
كان البعض يقول مازحاً، إن بيتها لو تُرك لها الأمر، لتحول إلى مخفر شرطة صغير، في قلب الحي.
وكان آخرون يبالغون في الحكايات، فيقولون إن المحققين في تلك الأيام، كانوا قادرين، لو أرادوا، على جعل أي شخص يعترف بأي شيء… حتى لو تعلق الأمر بقصص بعيدة، لا علاقة لها بالحياة اليومية.
لكن الحي، رغم تلك الظلال الثقيلة، لم يكن يعيش على الخوف وحده.
ففي نفس الدرب، كان يسكن أستاذ.
لم يكن أحد يسمع صوت أسرته تقريباً.
كان باب بيته، يفتح ويغلق بهدوء، كأنه يخشى أن يوقظ أحداً.
أطفاله كانوا يمرون بين أطفال الحي بصمت، يحملون محافظهم المدرسية، ويعودون بسرعة إلى البيت. لم يكونوا يشاركون في مباريات الكرة، التي كانت تشتعل كل مساء في الأزقة.
كان البعض يظنهم متكبرين.
وكان آخرون يقولون، إنهم فقط يعيشون بطريقتهم الخاصة.
لكن الحقيقة، التي لم يكن كثيرون ينتبهون إليها، أن ذلك البيت الهادئ، كان يزرع شيئاً بطيئاً… شيئاً يشبه المستقبل.
وفي زاوية أخرى من الحي، كان هناك الجمركي.
رجل لا يتوقف عن الضحك.
كان يمر في الصباح، فيسلم على الجزار، ويتبادل النكات مع البقال، ويمازح الأطفال، الذين كانوا يركضون خلف كرة مصنوعة من الخِرق.
كان ضحكه يملأ الزقاق، كأنه يريد أن يطرد شيئاً ثقيلاً من الهواء.
لم يكن أغنى أهل الحي، ولا أكثرهم نفوذاً.
لكنه، كان أكثرهم قدرة على جعل الناس يبتسمون.
وكان هناك أيضاً الكهربائي.
رجل بسيط، بيدين خشنتين، ووجه يحمل تعب السنوات.
كلما تعطلت مصابيح الدرب، أو انقطعت الكهرباء، عن بيت عجوز، كان يظهر حاملاً صندوق أدواته.
لم يكن يسأل كثيراً عن الأجرة.
وأحياناً كان يصلح الأسلاك، ويغادر دون أن يطلب شيئاً.
كان يقول ضاحكاً:
“الضو ما خاصوش يطفى على حد.”
وفي طرف الحي، كانت تعيش ممرضة.
امرأة، لم تكن تكتفي بعملها في المستشفى.
كانت تعود في المساء، وتستجيب لطرق الأبواب في أي ساعة.
طفل مريض، عجوز يعاني من الحمى، امرأة تحتاج إلى حقنة…
كانت تأتي بحقيبتها الصغيرة، وتجلس قرب المرضى بصبر غريب.
كان الناس يقولون إنها تعرف كيف “تدق الشوكة” بمهارة، لكن ما كانوا يقصدونه في الحقيقة، هو شيء آخر…
كانوا يقصدون تلك الطمأنينة، التي كانت تتركها في قلوبهم.
وهكذا كانت الحياة تمضي في ذلك الحي.
أيام تشبه بعضها، لكنها تخبئ داخلها آلاف القصص الصغيرة.
مرّت السنوات ببطء، ثم فجأة… بسرعة.
تغيرت البلاد، وتبدلت الوجوه، واختفى كثير من الأصوات.
مات من مات.
وانتقل من انتقل.
وتفرقت العائلات في أحياء أخرى ومدن أخرى.
لكن المفاجأة الكبرى، لم تظهر إلا بعد زمن طويل.
فمن ذلك الحي المتواضع، خرج قضاة.
وخرج محامون.
وخرج أساتذة وأطر عليا.
وحتى فنانين، كانوا يقولون، إن أول مسرح عرفوه، كان في زقاق ضيق، بين جدارين متعبين.
لكن الحي نفسه، كما هي حال كل الأحياء، لم يكن يصنع الأحلام فقط.
فمن نفس الأزقة، خرج أيضاً بعض المنحرفين.
شباب ضاعوا في الطرق المظلمة، ولم يجدوا الطريق، الذي وجده غيرهم.
كان الدرب مثل شجرة قديمة…
تعطي أحياناً ثماراً مختلفة من نفس الجذور.
واليوم، إذا مررت بذلك الحي، قد لا تجد الكثير، مما كان هناك.
الحمام تغير.
والمخبزة القديمة اختفت.
وبعض البيوت، تحولت إلى بنايات جديدة بلا ذاكرة.
لكن الذين عاشوا سنوات الرصاص، يدركون جيداً أن الأزقة، مهما تبدلت ملامحها، تحتفظ في جدرانها بذاكرة لا تموت
ففي مكان ما من تلك الجدران، ما زالت خطوات المرأة، التي كانت تفرض حضورها في الصفوف.
وفي زاوية أخرى، ما زال صدى ضحكة الجمركي يتردد.
وفي بيت هادئ ربما لم يعد موجوداً، ما زال حلم الأستاذ القديم يمشي في طرقات الحياة… في شكل قضاة ومحامين وفنانين.
ذلك الحي لم يكن مجرد درب صغير في مدينة كبيرة.
كان عالماً كاملاً…
عالماً جمع الخوف والكرامة، الصمت والضحك، الخير والضياع.
وكان يثبت، كل يوم، أن الأزقة الضيقة أحياناً…
تُخرج إلى الدنيا أكبر الحكايات.




