
ضربة قلم
منذ قرون يُقال لنا إننا «نعيش أزمة».
لكن الأزمة، بحكم تعريفها، ظرفية… مؤقتة… عابرة.
أما حين يستمر الشيء نصف قرن، فإنه يتجاوز معنى الأزمة ليصبح نظامًا كاملًا قائمًا بذاته، نظامًا يُعاد إنتاجه يومًا بعد يوم، جيلاً بعد جيل، حتى يصبح هو “الطبيعي الجديد”، رغم أنه في عمقه غير مقبول ولا يمكن أن يكون طبيعيًا بأي حال.
إننا نعيش داخل منظومة تعرف جيدًا ما تصنع:
منظومة تصنع الخوف وتروّجه،
وتحرص على إبقاء فوضى دائمة، فوضى ليست عبثية، بل محسوبة بدقة، تُدار كأداة للتحكم لا كعرض جانبي للأزمة.
تُخنق الحقيقة حين تقترب من السطح،
وتعيد تشكيل وعي الناس، ليتأقلموا مع ما لا يُطاق،
حتى يصبح الظلم «قَدَرًا»، والفقر «قسمة ونصيب»، والفساد «ذكاءً»، والثراء الفاحش «نجاحًا».
سنوات من ترديد كلمة «أزمة»، لم تكن يومًا مجرد وصف اقتصادي أو سياسي؛
كانت أداة تُستعمل لترويض الناس على الانتظار، على الصبر، على قبول الفتات…
بينما فئة صغيرة في الأعلى، لا تشعر بأي أزمة؛
فالأزمات في هذا العالم لها طبقات:
الفقراء يعيشون الأزمة،
أما الميسورون والشفّارة، فيستمتعون بنتائجها.
فقراء المدن والأحياء الهامشية هم أول من يدفع الثمن:
يدفعه بأعصابه، بصحته، بكرامته، بأحلامه المؤجلة إلى ما لا نهاية.
هم الذين يقفون في طوابير الإدارات، وفي طوابير الديون، وفي طوابير الحياة اليومية المرهِقة.
وهم من يقال لهم: «تشددوا، الأزمة أزمة الجميع».
بينما الحقيقة أن كلمة «الجميع» تتردّد كثيرًا، لكنها لا تعني في الواقع أحدًا سوى الفقراء؛ فهي كلمة تُقال للتجميل، لا للتطبيق.
أما أولئك الذين صنعوا الأزمة، أو استفادوا منها، فهم أول من ينجو ويتقدم.
الأزمة بالنسبة إليهم ليست أزمة؛
هي فرصة لشراء، لاحتكار، لوراثة، لنهب، لتمرير الصفقات، ولتضخيم الثروات.
إنها فرصة تتكرّر باستمرار، لأنها ليست أزمة عابرة، بل هيكل كامل صُمّم ليُنتج نفس النتائج دائمًا:
فقير يزداد فقرًا…
وغني يزداد غنى…
ودولة تُقنعك أن هذا هو القانون الطبيعي للحياة.
ولو كانت فعلاً أزمة، لشعر بها الجميع؛
لكن حين تكون الأزمة حكراً على الطبقات السفلى، بينما تستمر الطبقات العليا في مراكمة الرفاه والامتيازات، فذلك ليس ظرفًا، بل اختلال بنيوي مقصود.
إن أخطر ما في هذا النظام ليس الظلم وحده، بل اعتياد الظلم.
أن يعتاد الناس رؤية ما كان ينبغي أن يُصدموا منه…
أن تصبح اللامساواة جزءًا من الديكور اليومي…
وأن يتحول ما هو شاذ إلى أمرٍ «عادي».
وحين يصل المجتمع إلى تلك النقطة، يصبح السؤال الحقيقي ليس:
«كيف نخرج من الأزمة؟»
بل:
«من الذي اخترع الأزمة أصلاً، ومن المستفيد من استمرارها؟»




