أسبوع القفطان بمراكش… حين يتحول التراث المغربي إلى عرض للأناقة والهوية

ضربة قلم/ مراسلة خاصة
في قلب مدينة مراكش، حيث يلتقي عبق التاريخ بسحر الألوان، تتواصل فعاليات الدورة السادسة والعشرين من “أسبوع القفطان”، في تظاهرة تحولت مع مرور السنوات إلى أكثر من مجرد موعد للموضة، بل إلى احتفال حيّ بالهوية المغربية بكل تفاصيلها الجمالية والحرفية.
هذه السنة، اختار المنظمون شعار “نَفَس الأطلس”، في إشارة واضحة إلى الرغبة في إعادة تسليط الضوء على العمق الأمازيغي الذي ظل لسنوات طويلة حاضراً في تفاصيل القفطان المغربي، سواء من خلال النقوش، أو الألوان، أو الحرف التقليدية التي صمدت أمام تغير الأزمنة والذوق العالمي المتقلب.
ومنذ انطلاق الحدث، بدا واضحاً أن الأمر لا يتعلق فقط بعروض أزياء كلاسيكية، بل بمحاولة حقيقية لإعادة قراءة القفطان المغربي باعتباره ذاكرة ثقافية متنقلة، تختزن داخل خيوطها تاريخ مناطق، وقصص نساء، ولمسات حرفيين توارثوا المهنة جيلاً بعد جيل.
وخلال الندوة الصحفية الرسمية الخاصة بـ”أسبوع القفطان 2026”، شدد المنظمون على أن الرهان الأساسي لهذه التظاهرة لم يتغير: حماية القفطان المغربي من الذوبان داخل موجة التقليد السريع، مع فتح الباب أمام مصممين شباب قادرين على تطوير هذا الزي التقليدي دون المساس بروحه الأصلية.
ويأتي هذا النقاش في سياق خاص، خاصة بعد الاعتراف الرسمي الذي منحته منظمة اليونسكو للقفطان المغربي ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي نهاية سنة 2025، وهو الحدث الذي اعتبره كثير من المهتمين انتصاراً رمزياً للثقافة المغربية، ورسالة قوية تؤكد أن القفطان ليس مجرد لباس فاخر، بل جزء من هوية بلد بكامله.
ومن أبرز لحظات هذه الدورة، كان عرض “المواهب الشابة”، الذي تحول خلال السنوات الأخيرة إلى مساحة حقيقية لاكتشاف جيل جديد من المصممين والمصممات، ممن يحاولون المزج بين الجرأة العصرية واحترام المرجعية التراثية للقفطان المغربي.
العرض منح عشرة أسماء شابة فرصة الظهور أمام مهنيين وصحافيين ومتابعين لعالم الموضة التقليدية، حيث قدم كل مصمم رؤيته الخاصة لهذا الزي العريق، في محاولة لإثبات أن القفطان قادر على التجدد دون أن يفقد روحه.
وأسفرت المسابقة عن تتويج المصممة مريم الكفلاوي، التي استطاعت أن تفرض اسمها ضمن هذه الدورة، بعدما نالت جائزة مالية بقيمة 30 ألف درهم، إضافة إلى فرصة المشاركة ضمن العرض الرسمي الكبير لـ”قفطان 2027”، وهو ما يمثل خطوة مهمة في مسارها المهني، وبوابة حقيقية نحو عالم الاحتراف والانتشار.
لكن “أسبوع القفطان” لا يقتصر فقط على العروض والأضواء، بل يحاول أيضاً إعادة الاعتبار للحرفيين الذين يشتغلون بعيداً عن الكاميرات، أولئك الذين يقفون خلف التفاصيل الدقيقة التي تمنح القفطان المغربي قيمته الفنية والإنسانية.
ولهذا، يتواصل بالتوازي معرض “حرف الأطلس” داخل فضاءات دار الباشا، حيث يتم تقديم نماذج من الصناعات التقليدية المرتبطة بالموروث الأمازيغي، من تطريز ونسيج وصياغة يدوية، في محاولة لربط الزائر بجذور هذا الفن الذي لا يزال يقاوم الاندثار.
كما عرفت الدورة الحالية تنظيم لقاءات وندوات مهنية ناقشت إشكالية باتت تفرض نفسها بقوة: كيف يمكن تحديث القفطان المغربي دون فقدان هويته؟ وكيف يمكن للمصمم المعاصر أن يواكب الموضة العالمية، دون أن يتحول القفطان إلى مجرد نسخة فاقدة لروحها الأصلية؟
هذه الأسئلة حضرت بقوة خلال “الماستر كلاس” الذي جمع فاعلين في مجالات الموضة والصناعة التقليدية والثقافة، حيث تم التأكيد على أن نجاح القفطان المغربي عالمياً لا يجب أن يكون على حساب خصوصيته الثقافية.
ومع اقتراب موعد العرض الكبير مساء التاسع من ماي، ترتفع وتيرة الترقب داخل أوساط المهتمين، خاصة أن السهرة ستعرف مشاركة 13 مصمماً ومصممة سيقدمون مجموعات مستوحاة من الأطلس المغربي، بما يحمله من ألوان طبيعية، ورموز أمازيغية، وزخارف تعكس غنى الذاكرة المغربية.
وهكذا، يواصل “أسبوع القفطان” ترسيخ مكانته كواحد من أهم المواعيد الثقافية والفنية بالمغرب، ليس فقط لأنه يحتفي بالأزياء، بل لأنه يحاول حماية جزء من روح المغرب، ونقل هذا الإرث إلى أجيال جديدة تؤمن أن القفطان ليس مجرد قطعة قماش… بل حكاية وطن كاملة تُخاط بالخيط والإبداع والذاكرة.




