مجتمعدفاتر قضائية

أستاذ من سوس ماسة… براءة بعد عامٍ من الجحيم! بين مؤامرة كيدية ومحنة إنسان أنهكه المرض

ضربة قلم

كنا قد أثرنا سابقًا قضية الأستاذ الذي أنهكه المرض قبل أن تنهكه الشبهات، الرجل الذي خضع لعمليتين جراحيتين في القلب، وظل رغم ذلك وفيًّا لمهنته النبيلة، حاملًا طبشوره بقلبٍ متعب وضميرٍ حي. أستاذٌ معروف بين زملائه بدماثة أخلاقه وسيرته النظيفة، غير أن القدر ساقه إلى محنةٍ قاسية عنوانها تهمة باطلة وهزيمة مؤقتة للعدالة، قبل أن يعود الحق إلى نصابه.

فبعد سنةٍ كاملة من التوقيف عن العمل وتجميد الأجرة، أصدرت محكمة الاستئناف بأكادير حكمًا نهائيًا يقضي ببراءة الأستاذ “م.ص” من تهمة هتك عرض قاصر، ملغية بذلك حكمًا ابتدائيًا كان قد قضى بخمس سنواتٍ نافذة.
وجاء في منطوق الحكم، الصادر بتاريخ 8 أكتوبر 2025، أن البراءة استندت إلى عدم كفاية الأدلة لإسناد التهمة إلى المتهم، حيث لم تُدعّم تصريحات “الضحية” بأي دليلٍ مادي أو شهادةٍ حاسمة، في حين أثبت تقريرٌ طبيٌّ غياب أي أثرٍ لاعتداء جنسي. كما أكدت تلميذة أخرى أنها لم تشاهد أي سلوكٍ مخلّ من الأستاذ داخل الفصل، ليقرّ القضاة بالإجماع أن “الشك يُفسَّر لصالح المتهم”.

لكن معركة هذا الأستاذ لم تكن فقط في أروقة القضاء، بل أيضًا في دهاليز الإدارة. فالقضية بدأت بتاريخ 9 دجنبر 2024 بقرار توقيفٍ مؤقت أصدرته المديرية الإقليمية للتعليم بتيزنيت بناءً على تقريرٍ يتحدث عن “شبهة تحرش جنسي”، وهو ما ترتب عنه تجميد راتبه بالكامل باستثناء التعويضات العائلية، لتبدأ رحلة الألم التي طالت أكثر من عام.

وخلال هذه الفترة، عاش الأستاذ وأسرته وضعًا مأساويًا: فقد اضطر إلى وقف علاجه بسبب انقطاع المورد المالي، وتدهورت حالته الصحية، فيما اضطر أبناؤه إلى التوقف عن متابعة دراستهم الجامعية بسبب الضائقة.
ومع صدور حكم البراءة النهائي، واصل الأستاذ معركته الإدارية، فمثل الأسبوع الماضي أمام المجلس التأديبي للأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بجهة سوس ماسة، طالبًا فقط ما يضمن له كرامته: تسوية وضعيته، صرف أجرته المتوقفة، وتمكينه من استئناف عمله بعد أكثر من 31 سنةٍ من العطاء والتفاني.

وهنا جاءت المفاجأة السارة الثانية: ففي الرابع من نونبر الجاري (2025)، قرر المجلس التأديبي بإجماع أعضائه عدم مؤاخذة الأستاذ “م.ص”، مؤكدين أن الملف خالٍ من أي مخالفة مهنية أو تربوية تستوجب العقوبة.
بهذا القرار، تكون المؤسسة الإدارية قد أغلقت آخر فصلٍ من فصول الظلم الإداري الذي لحق بالأستاذ، لترتفع أصوات زملائه في سوس ماسة وغيرها مطالبة بتعويضٍ رمزي ومعنوي لهذا الرجل الذي عانى بصمتٍ سنةً كاملة دون أن يفقد ثقته في العدالة.

القضية التي أثارت ضجة واسعة في الوسط التربوي بتيزنيت تحولت اليوم إلى درسٍ أخلاقي وإداري بليغ. عشرات الأساتذة والمربّين عبّروا عن تضامنهم، معتبرين أن ما جرى “صفعة موجعة” لكل من يستسهل تقديم شكايات كيدية لتصفية حسابات أو تحقيق مكاسب شخصية، مؤكدين أن مثل هذه الملفات تزرع الخوف في صفوف رجال ونساء التعليم وتضرب ثقة المجتمع في المدرسة العمومية.

لقد خرج الأستاذ من معركته القضائية والإدارية منتصرًا، لكن الندوب التي خلّفتها التجربة ستبقى شاهدًا على هشاشة المساطر وضعف حماية الموظفين من الوشايات. إنها قصة مؤلمة ومشرقة في آنٍ واحد، تذكّرنا بأن العدالة قد تتأخر لكنها لا تموت، وأن الكرامة لا تُستعاد بحكمٍ قضائي فحسب، بل حين يعود صاحبها إلى فصله مرفوع الرأس، بين تلاميذه، وبيده الطباشير لا القيود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.