الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

أشباح بمداد رسمي: حين تتحول الجماعات إلى مقبرة للميزانية ومهدٍّ للغياب الأبدي

ضربة قلم

في بلاد تُنظّم مسابقات للخطابة حول الشفافية والمساءلة، وتُدرَّس فيها الأخلاقيات المهنية على مقاعد الإدارات، يختبئ “أشباح الجماعات” بين الملفات المغبرة والكراسي الفارغة، يتقاضون رواتب سمينة مقابل أعمال غير مرئية، وربما غير موجودة أصلاً. هؤلاء ليسوا كائنات خرافية من روايات الرعب، بل موظفون رسميون مسجلون في جداول الأجور، مسجلون بأسمائهم الكاملة، أرقام تأجيرهم، وسجلات حضورهم التي لم يرها أحد منذ حكومة اليوسفي.

الغريب أن هؤلاء “الأشباح”، الذين لا تربطهم بالمرفق العمومي سوى روابط الدم الحزبي أو القرب من مستشار جماعي نافذ، لا يشتغلون في الظل كما تفعل الأشباح التقليدية، بل يغيبون في وضح النهار، وأسماؤهم مدوّنة بخط عريض في سجلات الموارد البشرية. منهم من ورث منصبه كما تُورث البقع الأرضية، ومنهم من نال وظيفته بمكالمة هاتفية من أحد “أبناء الدار”. بعضهم يعيش خارج المغرب، ربما في ضواحي باريس، حيث الكرواسان أرخص من ثمن “الحريرة”، أو على شواطئ مراكش الثانية في كندا، ذاك المكان الخيالي الذي لا وجود له إلا في المخيلة الساخرة التي تحاول أن تستوعب كيف يمكن لشخص أن يعيش في الشتات ويقبض راتبًا شهريًا من جماعة لم يرَ أبوابها منذ التسعينيات،

وكأن الوظيفة العمومية صارت “مهمة غير مرئية” تُنجز عن بعد… من خارج الزمان والمكان، قبل أن يفكر وادي السيليكون أصلًا في اختراع العمل عن بعد.

أجورهم تدخل حساباتهم بانتظام، مثل نهر لا يجف، دون حاجة إلى بصمة أو توقيع، يكفي فقط أن لا يسأل عنهم أحد، وهو ما يحصل دائمًا.

والأنكى أن هناك من تُسند إليه ترقيات أو حتى تعويضات عن التنقل، رغم أنه لم يغادر بيته – في نيس مثلاً – منذ عهد حكومة التناوب. لقد أصبح “الغائب الحاضر” نوعاً من الوظائف العمومية المستحدثة، لا تتطلب مؤهلات ولا اجتياز مباريات، فقط معرفة صغيرة داخل المكتب الصحيح أو خلف الستار المناسب.

الجماعات المحلية، هذه الكيانات الإدارية التي يُفترض أن تكون قريبة من المواطن، أصبحت مثل مسرح مهجور: الستائر مرفوعة، الكراسي مهترئة، والضوء مسلط على خشبة لا أحد فوقها، لكن الميزانية تُصرف بحماس، كما لو أن الأوبرا قائمة. الموظفون الأشباح لا يعقدون الاجتماعات، لا يردون على الهاتف، لا يزورون المكاتب، لكنهم يتقاضون أجوراً بانتظام مثل ساعة سويسرية.

والأدهى أن هذه الظاهرة ليست سرًّا، بل تُناقَش في البرلمان، تُوثَّق في تقارير المجلس الأعلى للحسابات، وتُنشر في الصحف كخبر موسمي، ثم تُطوى الصفحة وكأن شيئًا لم يكن. مسؤول هنا يعبّر عن “الانزعاج”، وآخر يطلب “إجراء دراسة معمقة”، وثالث يكتفي بإطلاق العبارة السحرية: “الأمر قيد المعالجة”.

في بلد لا يستطيع فيه شاب حامل لشهادة عليا الظفر بفرصة عمل بـ 2500 درهم، هناك أشخاص يجنون 10 آلاف درهم شهريًا، فقط لأن اسمهم ما زال مدوّنًا في خانة موظفي جماعة نائية، رغم أن أقصى إنجازاتهم الإدارية هو إرسال تهنئة في رأس السنة عبر “واتساب الجماعة”.

والمفارقة أن ميزانية هذه الأشباح – التي تقدَّر بنحو 260 مليار سنتيم – تُحتسب ضمن كتلة الأجور التي تُستخدم ذريعة لرفض التوظيفات الجديدة. نعم، لا يمكن توظيف المعطلين لأننا “مثقلون بالأجور”، رغم أن جزءًا كبيرًا منها يُصرف لمن لا يُثقل حتى كرسيه.

المواطن العادي، عندما يذهب إلى الجماعة لقضاء مصلحة بسيطة، يصطدم بواقع عبثي: الموظف الذي يفترض أن يخدمه في “إجازة”، أو في “دورة تكوينية”، أو “خرج للتو”، أو ببساطة لا يُعرف مكانه. والمفارقة أن بعض هؤلاء الموظفين يختفون أكثر مما تفعل ملفاتهم. حتى الجِنّ لو سُئل عنهم لقال: “ما شفتوش”.

إننا لا نتحدث عن حالات فردية نادرة، بل عما يقارب 20% من مجموع موظفي الجماعات. أي أن واحداً من كل خمسة موظفين هو شبح موثق، يتقاضى الأجر دون إنتاج. هل هذا خطأ في النظام؟ لا. هذا هو النظام.

ورغم كل ذلك، لا أحد يُحاسب، لا أحد يُحاكم، لا أحد يُطرد. فالسياسة هنا لا تؤمن بالعقاب، بل تُكافئ الاختفاء أحيانًا أكثر من الحضور. لأن من يغيب لا يخطئ، ومن لا يخطئ لا يُنتقد، ومن لا يُنتقد قد يُرقى في آخر المطاف.

هكذا تتحول الجماعات إلى مزارع لأشباح بيروقراطية، تنخر الميزانية وتُفرغ الخدمة العمومية من مضمونها، في مشهد سريالي لا يمكن أن يحدث إلا في بلد يجيد تحويل الكسل إلى امتياز إداري، والفراغ إلى وظيفة.

وبعد كل هذا، يُطلب من المواطن أن يصبر، ويحتمل، ويقنع ببطاقة راميد لا تفتح له أبواب المستشفى. أما الأشباح، فهم بخير، يعيشون بيننا، يتقاضون أجورهم، ولا يزعجهم أحد… لأنهم، بكل بساطة، غير مرئيين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.