الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمعسياسة

أكثر من 30 حزبًا في المغرب.. وأقل من أصابع اليد تحكم المشهد!

ضربة قلم

في المغرب، تتجاوز لائحة الأحزاب السياسية المعترف بها رسميًا ثلاثين حزبًا. رقم يوحي، للوهلة الأولى، بحيوية سياسية وتعدد في الرؤى والبرامج والمرجعيات. لكن عند إسقاط هذا الرقم على أرض الواقع، تظهر مفارقة صادمة: القليل فقط من هذه الأحزاب يمتلك حضورًا فعليًا في البرلمان، أو تأثيرًا حقيقيًا في النقاش العمومي وصناعة القرار، بينما يظل الباقي في هامش المشهد، حاضرًا في السجلات وغائبًا في الفعل.

تعددية على الورق… ومحدودية في التأثير

منذ نهاية القرن الماضي، عرف المغرب، موجات من الانشقاقات وإعادة التشكل الحزبي، ما أدى إلى تضخم الخريطة السياسية. غير أن هذا الاتساع العددي، لم يُترجم بالضرورة إلى تنوع برامجي عميق، أو تنافس سياسي قوي. فالمواطن العادي، وهو يتابع الحملات الانتخابية أو جلسات البرلمان، يلاحظ أن النقاش العمومي، يتمحور غالبًا حول أسماء محدودة، تتكرر في الواجهة، بينما تبقى باقي الأحزاب الأخرى خارج دائرة الضوء.

وهنا يبرز السؤال الجوهري:
هل نحن أمام تعددية سياسية حقيقية، أم أمام تعددية رقمية فقط؟

نظام الحزبين: استقرار مقابل محدودية الخيارات

في المقابل، تعتمد كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، نموذجًا تهيمن عليه قوتان سياسيتان أساسيتان، رغم وجود أحزاب أخرى أقل وزنًا.
في الولايات المتحدة، يتناوب على السلطة حزبان كبيران يحددان ملامح الحياة السياسية الوطنية، بينما في المملكة المتحدة يظل التنافس محصورًا غالبًا بين حزبين رئيسيين، مع حضور محدود لأحزاب أخرى.

يوفّر هذا النموذج نوعًا من الاستقرار وسهولة في تشكيل الحكومات، ويُقلل من تعقيدات التحالفات. لكنه في الوقت ذاته يُنتقد، لأنه قد يُضيّق هامش الاختيار أمام الناخبين، ويُهمّش أصواتًا سياسية، لا تجد لنفسها تمثيلًا وازنًا داخل الثنائية المهيمنة.

مصر: وفرة حزبية… وتأثير خافت

أما في مصر، حيث يتجاوز عدد الأحزاب السياسية الثمانين، فإن الصورة تبدو أكثر حدّة من حيث المفارقة. فرغم الكثافة العددية، لا ينعكس ذلك على دينامية سياسية قوية، أو نسب مشاركة مرتفعة في الانتخابات. كثير من هذه الأحزاب يظل محدود الانتشار، ضعيف الحضور في الشارع، أو غير قادر على بناء قاعدة شعبية واسعة.

وهكذا تتكرر المفارقة:
الكثرة لا تعني الفعالية، والعدد لا يساوي التأثير.

حين تتحول التعددية إلى تشظّي

التعددية الحزبية تُعد في النظرية أحد أعمدة الديمقراطية. فهي تسمح بتمثيل تيارات فكرية واجتماعية متعددة، وتفتح المجال أمام تنافس البرامج والرؤى. لكن حين تتكاثر الأحزاب، دون أن تمتلك هوية سياسية واضحة، أو امتدادًا مجتمعيًا فعليًا، قد تتحول التعددية إلى حالة من التشظّي.

في مثل هذه الحالات، يصبح المشهد الحزبي، أقرب إلى فسيفساء رمزية منه، إلى حلبة تنافس سياسي حقيقي. أحزاب تُؤسَّس أحيانًا بدوافع تنظيمية داخل النخبة، أو نتيجة خلافات شخصية، أو سعياً إلى مواقع تفاوضية، دون أن يكون خلفها مشروع مجتمعي واضح المعالم.

العزوف… الفيروس الصامت

الأخطر من تضخم عدد الأحزاب هو اتساع رقعة العزوف السياسي.
كثير من المواطنين، لا يرون في الأحزاب أدوات فعالة لتحسين أوضاعهم، أو الدفاع عن مصالحهم. تتكرر الشكاوى من:

  • ضعف الثقة في الخطاب الحزبي.

  • غلبة الشعارات العامة على البرامج الدقيقة.

  • غياب صلة واضحة بين الوعود الانتخابية والسياسات المنفذة.

  • شعور بأن التنافس الحزبي لا يغيّر جوهر القرارات الكبرى.

وهكذا، تتحول كثرة الأحزاب، إلى مشهد زخرفي لا يُغري بالمشاركة، بل قد يعمّق الإحساس بالمسافة، بين السياسة والحياة اليومية.

هل المشكلة في العدد أم في الفعالية؟

المقارنة بين المغرب، وأنظمة الحزبين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، والحالة المصرية، تكشف أن عدد الأحزاب ليس معيارًا كافيًا لقياس جودة الديمقراطية.
المعيار الحقيقي يكمن في:

  • قدرة الأحزاب على التأطير والتعبئة.

  • وضوح برامجها وتميّزها.

  • حضورها الميداني المستمر، لا الموسمي.

  • مساهمتها الفعلية في صياغة السياسات العمومية.

فقد يكون نظام متعدد الأحزاب أكثر تمثيلًا نظريًا، لكنه يصبح هشًّا إن غابت الفعالية. وقد يكون نظام الحزبين أكثر استقرارًا، لكنه يظل محدودًا، إن لم يسمح بتجديد النخب، وتعدد الأفكار داخل إطاره.

الخلاصة: الخريطة ليست الطريق

في النهاية، يمكن القول إن كثرة الأحزاب، تشبه خريطة مليئة بالألوان، لكنها لا تعني بالضرورة، وجود طرق سالكة نحو مشاركة سياسية أوسع أو ثقة شعبية أعمق.
التحدي الحقيقي أمام المشهد الحزبي في المغرب – كما في دول أخرى – ليس في إضافة أسماء جديدة إلى السجل، بل في إعادة بناء الجسور مع المواطن، وتحويل التعددية، من رقم معلن إلى قوة اقتراح وتأثير.

فالديمقراطية لا تُقاس بعدد اللافتات، بل بمدى قدرتها على إقناع الناس بأن أصواتهم تصنع فرقًا حقيقيًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.