أكياس الموت: البلاستيك يتحول إلى أداة قمع بيئي وصحي في المغرب

ضربة قلم
في زوايا معتمة من المدن المغربية، وبعيدًا عن أعين المراقبة، تنتشر ورشات صغيرة تعرف محليًا بـ”مغاسل الميكا”، وهي وحدات غير قانونية تنشط في الخفاء، تقوم بجمع وغسل النفايات البلاستيكية، بما في ذلك مخلفات طبية ملوثة، وأكياس مهترئة، وعلب مهملة في المزابل، بغرض إعادة تدويرها بشكل بدائي وبيعها لاحقًا لمعامل غير مرخّصة أو إدخالها إلى الأسواق السوداء في شكل أكياس بلاستيكية رخيصة. هذه الأنشطة، التي تتم تحت جنح الليل أو خلف أبواب صدئة في أحياء شعبية أو صناعية مهمشة، ليست فقط خرقًا صريحًا للقانون، بل تهديد صامت وخطير لصحة المواطنين وسلامة البيئة.
يتم غسل النفايات في مياه ملوثة تُستخدم أكثر من مرة دون أي معالجة أو تطهير، ثم تُجفف تحت الشمس، وتُخلط موادها بواسطة آلات بسيطة أو يدوية، لا تراعي الحد الأدنى من شروط النظافة أو الجودة. يتم بعدها تسويق هذه المواد لمعامل صغيرة في مناطق مثل مديونة والحي الصناعي للدار البيضاء أو ضواحي مراكش وفاس وطنجة، حيث تُصهر وتحوَّل إلى أكياس سوداء تُباع بأثمان زهيدة إلى محلات البقالة أو الأسواق الأسبوعية أو تُهرّب نحو البوادي. وكل ذلك يتم تحت أعين “غاضّة” من طرف بعض السلطات التي تدّعي أنها لا تملك الإمكانيات الكافية للمراقبة أو التدخل.
الخطير في الأمر أن بعض هذه الأكياس المصنَّعة من نفايات غير مراقَبة، تُستخدم في تخزين الطعام، أو في لفّ الخضر والفواكه، بل حتى في نقل اللحوم والمواد الدهنية، ما يجعلها وسيلة نقل للمواد السامة والبكتيريا التي قد تكون مدمِّرة لصحة الإنسان، خصوصًا على المدى الطويل. بعض الدراسات التي أجريت في بلدان مجاورة كشفت عن وجود نسب عالية من المعادن الثقيلة والمواد المسرطنة في منتجات بلاستيكية غير خاضعة للمراقبة. وإذا ما استُخدمت مواد طبية ملوثة أو مخلّفات المستشفيات في هذه الصناعة، فإن الحديث يصبح عن كارثة حقيقية صامتة قد تكون لها عواقب بيئية وصحية مأساوية.
ما يثير القلق أكثر هو أن هذه الظاهرة تُعد شكلاً جديدًا من أشكال “الاقتصاد الأسود” الذي لا يدفع ضرائب، ولا يوفر حماية للعمال، ولا يلتزم بشروط الصحة والسلامة، لكنه يدرّ أرباحًا خيالية على مَن يديرونه. فتكلفة الإنتاج شبه منعدمة، والمستهلك، في ظل الأزمة المعيشية الخانقة، يبحث دائمًا عن الأرخص، ولو على حساب صحته. والسلطات، في معظم الأحيان، تكتفي بإصدار دوريات أو بلاغات موسمية دون أن تجرؤ على شنّ حملات تطهير شاملة تطال “رؤوس الشبكة” بدل الاكتفاء بحجز بعض الشحنات أو اعتقال بعض العمّال الصغار.
وما يلفت الانتباه أيضًا هو صمت بعض الجهات التي يفترض فيها أن تتحرك بحزم، من قبيل وزارة الصحة، ووزارة الصناعة، وكل المصالح البيئية. هل هو جهل بحجم الخطر؟ أم تغاضٍ مقصود خوفًا من فتح ملفات أكبر تطال تواطؤ مسؤولين؟ في المقابل، تعمل بعض جمعيات المجتمع المدني على التوعية بمخاطر استعمال الأكياس البلاستيكية غير المرخّصة، لكن جهودها تظل محدودة في ظل غياب الدعم الإعلامي واللوجستي الضروري.
المثير للسخرية أن المغرب كان قد أعلن في وقت سابق عن “المنع التام” لصناعة وتداول الأكياس البلاستيكية السوداء، وأطلق حملات توعية مكثفة مع بداية تطبيق قانون “زيرو ميكا”، بل نظم معارض ومؤتمرات دولية حول التحول نحو الاقتصاد الأخضر. لكن الواقع الحالي يؤكد أن القوانين شيء، وتطبيقها شيء آخر تمامًا. فالقوانين في المغرب، كما يُقال، إما تُطبق بشكل انتقائي أو تُجمد حتى إشعار آخر.
من وسط هذا الصمت الرسمي والتواطؤ الاقتصادي، يدفع المواطن البسيط الثمن الأغلى، دون أن يعرف أن الكيس الرخيص الذي يُحمل فيه خبزه أو لحمه، قد يكون مصنّعًا من نفايات المستشفيات أو من مواد محظورة دوليًا. يدفع الثمن بصحته، وبصحة أطفاله، وبتلويث بيئته. وتستمر دورة القمع الصامتة، هذه المرة بملمس ناعم ولون أسود قاتم.
هل نحتاج إلى كارثة صحية لندرك خطورة ما يحدث؟ أم أن كل شيء مباح في “اقتصاد اللا قانون”، ما دام الفقراء هم دائمًا أول وآخر الضحايا؟




