
ضربة قلم
بعد مواسم عجاف، كادت تُحوّل الانتظار إلى عادة، جاء الشتاء الأخير محمّلاً بما يشبه الاعتذار المؤجل من السماء. أمطار لم تكن عابرة ولا خجولة، بل جاءت سخية، منتظمة، كأنها تُدرك حجم الشوق، الذي راكمته الأرض المغربية، لقطراتٍ تعيد إليها الحياة.
في القرى كما في السهول، تغيّرت الملامح. التربة التي كانت متشققة استعادت ليونتها، والحقول التي لبست لون الغبار عادت لتكتسي أخضرها القديم، ذلك الأخضر الذي لا يُرى فقط بالعين، بل يُحسّ به في نفس الفلاح قبل جيبه. موسم فلاحي تنفّس الصعداء، ومحاصيل واعدة بدأت تُرسم ملامحها بهدوء، كأنها تقول إن الصبر لم يذهب سدى.
ولم يكن المشهد مقتصرًا على الحقول، بل امتد إلى السدود التي استعادت شيئًا من هيبتها. بعد أن تحولت في السنوات الماضية إلى صور صادمة عن العطش، عادت اليوم تستقبل المياه بكرم، لترتفع نسب الملء وتُبعث رسائل طمأنة، ليس فقط للفلاحين، بل لمدن بأكملها، كانت تعيش على إيقاع القلق من صيف بلا ماء.
لكن، وكما جرت العادة في تفاصيل الحياة اليومية، لا تكتمل الفرحة دون أن يتسلل إليها، ما يُعكّر صفوها. فبموازاة هذا الانتعاش الطبيعي، بدأ حديث آخر يطفو على السطح، حديث لا علاقة له بالمطر ولا بالخصب، بل بما يُمكن تسميته بـ”قطاع الجيوب”. هؤلاء الذين لا ينتظرون سوى أول مؤشر إيجابي، ليحوّلوه إلى فرصة لرفع الأسعار، وكأن الخضرة التي عمّت الأرض يجب أن تُقابل بجفافٍ في جيب المواطن.
ومع اقتراب عيد الأضحى، عاد نفس السيناريو يلوح في الأفق. تخوفات تتصاعد من ارتفاع أسعار الأكباش، رغم أن المنطق البسيط، يقول إن وفرة الكلأ وتراجع كلفة العلف يجب أن تنعكس إيجابًا على السوق. لكن الواقع، كما اعتاد عليه المغاربة، لا يخضع دائمًا لمنطق الطبيعة، بل لمنطق المضاربة والوساطة، حيث تتحول كل مناسبة إلى موسم للربح السريع، ولو على حساب القدرة الشرائية.
المواطن المغربي، الذي استبشر خيرًا بهذه الأمطار، يجد نفسه اليوم بين فرحتين غير مكتملتين: فرحة أرضٍ ارتوت، وفرحة مؤجلة، في أن ينعكس هذا الخير على معيشه اليومي. فالمطر قد يسقي الحقول، لكنه لا يكفي وحده لكبح جشع من اعتادوا تحويل المواسم إلى صفقات.
وهنا يبرز السؤال الذي يتكرر كل سنة، بصيغ مختلفة: هل سيبقى الخير حبيس الطبيعة، أم سيجد طريقه أخيرًا إلى جيوب المواطنين؟
بين سماءٍ جادت بما لديها، وسوقٍ قد لا يجود إلا على نفسه، يظل الأمل معلقًا… في أن تنتصر هذه المرة، معادلة بسيطة طال انتظارها: إذا ارتوت الأرض، فليتنفس الإنسان.




