الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

أمواج تعرف اسمي

م-ص

الليل حين يهبط، يشبه ستارًا من حرير أسود يمدّه القدر فوق مدينة تحمل اسم المحمدية، وهي متعبة من صخب المتاجرين بالسياسة، أولئك الذين جعلوا من الكلام سلعة رديئة ومن الوعود نقودًا مزيفة. أهرب منهم إلى البحر، صديقي الأول والأبقى، أهرب إليه كطفل يبحث عن صدر أمّه، وكشيخ يبحث عن راحة بعد طول سفر.
أنا ابن هذا البحر، ولدت على بعد خمس دقائق فقط من شاطئه، وكأنني خرجت من رحم ملوحته، وها أنا بعد أكثر من ستة عقود، لا أزال أجد نفسي واقفًا عند حافته، أصغي إلى خريره العميق، وأتوهم أنّه يبادلني الهمس، يعرفني كما يعرف ملامح المدّ والجزر، يعرفني أكثر مما أعرف نفسي.
في الشتاء، أزوره كثيرًا، أجد في وحدته وحدتي، وفي صخبه عزاءً يسكّنني. وحين يأتي الصيف، أتركه لزائريه، للغرباء الذين يلقون بأنفسهم في حضنه الدافئ، بينما أظلّ أطلّ عليه من بيتي، أكتفي برؤية الموج يتكسّر على صخور الميناء البترولي الذي يزاحم أفقه. ورغم صلابة الإسمنت وحدّة الفولاذ، تبقى أمواج البحر كفتاة جميلة رحلت، تاركة وراءها ظلًّا من الزين، وحروفًا من الجمال محفورة على جبين الذاكرة لا يمحوها الزمن.
البحر بالنسبة لي ليس امتدادًا من الماء فحسب، بل هو سيرة حياة، مرآة صامتة تعكس حزني وفرحي، صمتي وصراخي. معه تعلمت أن الزمن، مهما ابتلع من أعمار، يترك دائمًا بعض العلامات، مثل موجة لا تنكسر تمامًا، مثل حكاية لا تكتمل، مثل اسم محفور على الرمل يبقى حيًّا رغم محاولات الريح أن تمحوه.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.