أم الأزمات في المغرب: التربية الضائعة، والضمير المفقود، وانتصار الانتهازية

م-ص
كثر الحديث في السنوات الأخيرة في المغرب، خصوصًا النقاش عن أم الأزمات: التربية. لم تعد الحكمة تُزرع في النفوس، ولم يعد الضمير، يقف عند الحدود. بدلاً من ذلك، صعدت الانتهازية، وظهرت الأرقام القياسية في الجشع، في الطمع، في رغبة البعض، في التسلّق على حساب كل شيء، حتى الأخلاق نفسها.
القلب يئن أمام هذا المشهد: أجيال تمشي في الشوارع، تحمل على أكتافها أسئلة لم تُجب، وقيمًا ضائعة، ووجوهًا صارت تُحسب بالأرقام، لا بالإنسانية. كل ابتسامة مفقودة، كل كلمة لم تُلقَ، كل فعل حسن، لم يُثنَ على صاحبه… كلها تصبح شواهد على ضمير غائب، وعلى مدينة، تتسارع نحو فراغ أخلاقي عميق.
وليس هذا كله، مجرد كلمات جامدة، بل واقع يترسخ في تفاصيل صغيرة، في وجوه الأطفال الذين يفتقدون قدوة صالحة، وفي قاعات المدارس، التي أصبحت مجرد فضاءات فارغة من الروح، أما المناهج، فهي أحيانًا مجرد حبر على ورق، تتصارع مع الانتهازية واللامبالاة، أكثر من أن تتصارع مع نمو العقول وتربية الضمائر.
حتى الليل لم يعد ملاذًا، بل مرآة لهذا الحزن المستمر. نحدق في السماء، نعد النجوم، لكننا لا نجد إلا صمتًا، وكأن الكون كله ،توقف للحظة طويلة جدًا، لحظة تعكس ضعفاتنا، أحلامنا المفقودة، وقلوبنا الممزقة. في هذه اللحظة، تتسع الفجوة بين ما يجب أن يكون، وما هو حاصل، بين ما يعلّمه الوعد، وما يعيشه الواقع.
في هذه المدينة، حيث يمر الناس بجوار بعضهم، دون أن يروا بعضهم، تتنكشف الأزمة الكبرى: كيف يمكن للتربية أن تتعثر، كيف يختفي الضمير، وكيف تسيطر الانتهازية على كل نوافذ الحياة؟ كيف أصبح الطموح أحيانًا مسرحًا للأنانية، والنجاح مؤشراً على القدرة على المناورة، أكثر من كونه نتيجة اجتهاد؟ كل هذا يجعلنا، ندرك أن الحزن أعمق من أي فرح، وأن الصبر، مهما طال، يبقى مجرد انتظار في نهاية الطريق، انتظار قد لا يصل فيه أحد إلى وجهته.
ونحن نعرف، رغم كل ذلك، أننا سنستمر في المشي، في البحث عن لحظة صافية، عن لحظة، نختصر فيها كل ألمنا، ونتركها تهبط مثل المطر على الأرض العطشى. لحظة لا تسرقها الحياة، ولا يبتلعها الصمت. لحظة، ربما، تمنحنا فرصة لنستنشق هواءً مختلفًا، ولو لبرهة قصيرة جدًا، ونحلم أن تشرق التربية من جديد، وأن يعود الضمير، ليصنع الفارق، بين ما هو ممكن، وما هو ضروري، بين ما هو صحيح وما هو مفقود.
وربما، في هذه اللحظة الهادئة، نجد صدى الصمت، يكشف لنا الحقيقة البسيطة: أن الأزمة ليست في من يحكم، ولا في القرارات وحدها، بل في ما يُزرع في النفوس منذ الصغر، في كل فعل صغير، يتكرر آلاف المرات في حياة الطفل، في كل مثال حي يُرى أو يُسمع، وفي كل فرصة تُفوّت لتعليم الاحترام، والنزاهة، والمروءة. فإذا فشلنا هنا، فإن المدينة، والبلاد، والأجيال، كلها ستبقى أسيرة فراغ أخلاقي، لا يعرف الرحمة.




