
م-ص
في زحمة هذا العالم، حيث تتقاطع الطرق دون أن تلتقي القلوب دائمًا، وجدتني أكتب لك… لا ككاتب ينسج الكلمات، بل كإنسان يحاول أن يلامس تلك المساحة الخفية فيك، حيث تختبئ طفلة لم تكبر كما ينبغي، ولم تُمنح الوقت الكافي لتفهم أن الحياة ليست دائمًا ساحة معركة.
أريد أن أقول لكِ: أنا… أنا الذي يفهمك أكثر مما تتصورين.
أنا الذي يرى تلك الطفلة البريئة التي ما زالت تسكنك، رغم كل محاولاتك لإخفائها خلف صلابة مصطنعة، خلف نظرات حادة، وكلمات مقتضبة، كأنك تخشين أن يُكتشف ذلك النور الذي لم ينطفئ داخلك. أفهم كيف تتشبثين بكرامتك، كيف نصّبتِ لها حارسًا لا ينام، يراقب كل خطوة، كل كلمة، كل اقتراب… حتى صار هذا الحارس نفسه قيدًا، لا يحميك بقدر ما يمنعك من أن تعيشي.
أفهم ترددك… ذلك التردد الذي يشبه الوقوف على حافة باب مفتوح، لا تدخلينه خوفًا، ولا تغلقينه حسمًا.
تريدين أن تثقي… لكنك تخشين الخذلان.
تريدين أن تحبي… لكنك لا تريدين أن تُكسري.
فتختارين منطقة رمادية، لا ألم فيها صريح، ولا فرح مكتمل… فقط هدوء متعب، يشبه الانتظار الذي لا ينتهي.
وأفهم أيضًا ذلك الذكاء المفرط الذي تحاولين به تحليل كل شيء…
تفككين الكلمات، تراقبين النوايا، تقرئين ما بين السطور… حتى أصبحت الحياة عندك معادلة معقدة، بدل أن تكون إحساسًا بسيطًا يُعاش.
ذكاؤك هذا، الذي كان من المفترض أن يكون نعمة، صار أحيانًا عبئًا، لأنه يجعلك ترين كل الاحتمالات، حتى تلك التي لا وجود لها إلا في الخوف.
لكن أكثر ما أفهمه فيك… هو طيبة قلبك.
نعم، تلك الطيبة التي تحاولين إنكارها، أو على الأقل إخفاءها خلف قناع من اللامبالاة.
طيبة لا تليق- كما تظنين – بامرأة تعبت من الخيبات، فاختارت أن تعيش في الغضب بدل أن تعتني بنفسها، بصحتها، بجمالها، بروحها.
كأنك تعاقبين نفسك على شيء لم ترتكبيه، وكأنك تقولين: “لن أكون ضعيفة مرة أخرى”، دون أن تنتبهي أن القسوة، ليست قوة، وأن الغضب ليس درعًا دائمًا.
تعرفين؟
المسألة التي تحيرك… لم تكن يومًا معقدة كما تبدو لك.
المفتاح كان بسيطًا، لكنه كان يحتاج منك فقط شجاعة واحدة: أن تثقي… ولو قليلاً.
أن تسمحي لنفسك بأن تكوني على طبيعتك، دون حراسة مشددة، دون حسابات مرهقة.
كنت أتمنى لو تواصلنا… فقط لنتحدث.
لا نقاشات كبيرة، ولا فلسفة زائدة… فقط حديث بسيط، صادق، يُعيد ترتيب الأشياء في داخلك.
أنا على يقين أنك، لو منحتِ نفسك هذه الفرصة، ستشعرين بشيء يشبه الاسترخاء… كأنك تضعين حملًا ثقيلاً جانبًا، ولو للحظات.
ستستعيدين تلك الثقة التي فقدتها في الطريق، وستكتشفين أن العالم، ليس كما رُسم لكِ يومًا..
لأن الحقيقة التي قد تكون غابت عنك وسط كل هذا الصخب هي:
أنك تستحقين حياة مختلفة.
حياة لا تقوم على الحذر الدائم،
ولا على الدفاع المستمر،
ولا على توقع الأسوأ في كل مرة.
تستحقين حياة فيها حب… لكن ليس ذلك الحب المتعب، المشروط، المليء بالاختبارات، بل حب بسيط، واضح، يشبه الطمأنينة.
تستحقين احترامًا متبادلاً، لا يُطلب ولا يُنتزع، بل يُمنح لأنك ببساطة أنتِ.
تستحقين أن تعيشي دون أن تضطري، لأن تكوني في حالة استعداد دائم للانسحاب أو المواجهة.
كل إنسان في هذه الحياة… وأنتِ قبل الجميع، يستحق أن يكون سعيدًا.
ليس سعادة مثالية خالية من الألم، بل سعادة صادقة، فيها توازن، فيها راحة، فيها شعور أنك لستِ وحدك في هذا العالم.
وربما… فقط ربما،
كل ما تحتاجينه الآن، ليس أن تغيّري كل شيء دفعة واحدة،
بل أن تفتحي نافذة صغيرة في قلبك، تسمحين من خلالها للنور أن يدخل من جديد.
لأنك، رغم كل شيء، ما زلتِ قادرة على أن تكوني بخير…
وأكثر مما تعتقدين.




