الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

“أنا بعشقك”… لكن حسب الرصيد!

ضربة قلم

آه يا سيدي، الحب في زمن الفن لم يعد ذاك الطائر الحر الذي كان يرفرف في أغاني أم كلثوم أو يخفق في دفاتر غسان كنفاني… بل صار “مشروعًا استثماريًا” مدروسًا، تُحسب فيه القلوب بآلات حاسبة، وتُغنّى فيه المشاعر على لحن الدولار واليورو، لا على وتر العشق والحنين.

اسمع تلك المطربة وهي تصرخ من أعماق رئتيها، لا قلبها، “أنااااا بعشقك”، وتشد شعرها (أو شعرها المستعار)، وتغلق عينيها كما لو أن الغرام قد نزف من بين أهدابها… فتصفّق الجماهير، وتبكي المراهقات، وتتشقق المكبرات من علو النبرة وادّعاء الوجدان.

لكن، يا حسرة، ما إن تنزل الستارة، وتُطفأ الأنوار، حتى تخرج “المعشوقة” من المسرح، مستقلة سيارة فارهة لا تعرف العشق، متجهة إلى قصر ليس فيه حبيب، بل “مموّل رسمي للعاطفة”، رجل أعمال له قلب من رخام وشيك بلا رصيد من الحنان، لكنه يملك ما يكفي من السيولة لشراء “حبيبة محتملة”، أو بالأحرى صوت رومانسي بإقامة فاخرة.

فالمغنية، أو المطربة كما تُحب أن تُوصف، لم تعد تحتاج أن تحب لتغني… هي فقط تحتاج لجمهور “يُصدّق”، ومنتج “يُموّل”، وزوج يُسدد الفواتير. الحب؟ مجرد “كليب” مصور في جبال لبنان أو على يخت في جزر المالديف، وتُضاف عليه بعض المؤثرات البصرية وقليل من كلمات مثل “قلبي، روحي، عمري، كلّي”، وهي أصلاً لا تُقدم أي شيء مما سبق إلا بإذن محاميها.

هي لا تقول “أنا بعشقك” لك… بل تقولها لشخصية افتراضية، وهمية، مثالية، ليست موجودة إلا في النص الغنائي. أما في الواقع، فهي تُرسل العشق بالبريد المضمون إلى رصيد بنكي في جنيف، وتتأكد أن الشروط كلها مُستوفاة: الحب تحت الطلب، الشغف مشروط بعدم التأخر عن مواعيد الحقائب الماركة، والقبل مصورة بالتنسيق مع “مجلة راقية” مخصصة للزفاف الحالم.

أما من كان يظن أنه حين يستمع إلى “أنا بعشقك” فإنه يشاركها لحظة وجد حقيقي، فذاك مجرد مواطن ساذج، يشرب القهوة ويضع سماعات الأذن ظنًا منه أن الصوت الخارج منها هو حب صادق، لا صفقة إنتاجية مقرونة بعقد إعلان سري مع شركة عطور.

في زمننا هذا، العشق يُعلن في المسرح ويُلغى في الصالونات. يُكتب على تويتر ويُمسح بعد جلسة محامي الطلاق. ويكفي أن تُتابع أخبار المغنيات “المتيمات” لترى كيف أن الواحدة منهن تتزوج من ملياردير لا يعرف أن يكتب اسمه بالعربية، لكنه يعرف تمامًا كيف يُهديها فيلا في دبي، ومجموعة ألماس في باريس، وميدالية حب لا تشبه أي شيء سوى إيصال بنكي فيه المبلغ المضمون.

في النهاية، لم يعد “أنا بعشقك” وعدًا… بل صار بندًا في اتفاقية عاطفية مشروطة:
أحبك… إذا كنت في قائمة فوربس.
أعشقك… بشرط ألا تسألني عن ماضيّ الفني.
أذوب فيك… إذا كان لديك جواز سفر ذهبي وحساب لا يُجمد.

أما نحن، جمهور “المغلوبين على قلوبهم”، فنكتفي بالتصفيق، نبكي إذا بكت، ونعيد الأغنية مئة مرة، نبحث في صوتها عن حب يشبه حبنا، دون أن ندرك أن الحب الحقيقي لا يُغنّى هذه الأيام… بل يُستثمر.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.