الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

أهل وسكان المحمدية أدرى بشعابها

ضربة قلم

في خضم الحديث عن المدن المغربية، وسباق الجهات والأقاليم نحو التموقع في خارطة التنمية الوطنية، تبقى المحمدية حالة خاصة، مدينة صغيرة جغرافيًا، لكنها كبيرة بتاريخها، بمينائها، بصناعتها، وبذاكرتها التي لا تزال تنبض بحيوية أجيال صنعت منها يومًا “مدينة الزهور”. ومع ذلك، فإن أهلها يعرفون أكثر من غيرهم أن هذه المدينة ليست مجرد فضاء عمراني أو سوق مفتوحة، بل هي كيان اجتماعي وروحي له خصوصية تستحق الاحترام.
المحمدية ليست للبيع
حين يتحدث سكان المحمدية عن مدينتهم، فإنهم يفعلون ذلك بحساسية مفرطة، لأنهم يرون كيف تحولت في أعين بعض رجال الأعمال والانتهازيين إلى مجرد “غنيمة اقتصادية” أو “بقرة حلوب”. المشاريع تُبرمج وتُعلن بريقًا في الواجهة، لكنها في العمق لا تخدم سوى جيوب المقاولين، بينما تبقى الأحياء الشعبية غارقة في التهميش، وتبقى البنية التحتية الرياضية والثقافية متعثرة أو غائبة.
هؤلاء السكان يعرفون جيدًا من هم رجال الأعمال الذين استثمروا بصدق، وخلقوا فرص عمل، وربطوا مصالحهم بمصالح المدينة، ومن هم أولئك الذين لا يرون في المحمدية سوى سوق مفتوحة للصفقات، يربحون منها اليوم ويرحلون عنها غدًا دون أن يتركوا أثرًا إيجابيًا يذكر.
ذاكرة رياضية مشروخة
الفريق الكروي للمحمدية -الذي كان يومًا رمزًا للهوية الرياضية- لم يسلم بدوره من منطق البيع والشراء. الجماهير تذكر جيدًا كيف تحول الفريق إلى مجال لتصفية الحسابات الفارغة، وتبادل المصالح، بدل أن يبقى مؤسسة رياضية تعكس روح المدينة. هنا أيضًا يميز أهل المحمدية بين من أراد خدمة النادي برؤية واضحة، وبين من جعل منه وسيلة للتلميع السياسي أو لزيادة النفوذ التجاري.
الانتهازيون: وجه آخر للأزمة
الأخطر من رجال الأعمال الباحثين عن الربح، هم الانتهازيون الذين يتخذون من المدينة مطية للوصول إلى أهداف شخصية، سياسية كانت أو اقتصادية. هؤلاء يرفعون شعارات رنانة عن التنمية والاستثمار، لكنهم في الواقع ينهبون رصيد الثقة، ويعمقون فجوة الإحباط بين السكان والمؤسسات. بالنسبة إليهم، المحمدية ليست سوى محطة عابرة، ووسيلة لتحقيق طموحات أكبر، حيث يرونها مغارة علي بابا.
وعي السكان: الحصن الأخير
لكن أهل وسكان المحمدية – وهم “أدرى بشعابها”- لا ينخدعون بسهولة. تاريخ المدينة علّمهم أن التنمية الحقيقية لا تُقاس بالمهرجانات الاستعراضية ولا بالشعارات البراقة، ولا بالمتاجرة بهمومهم، بل بما يلمسونه في حياتهم اليومية: شوارع نظيفة، أحياء منظمة، فضاءات خضراء، فرص عمل للشباب، بنية تحتية رياضية وثقافية تحفظ للمدينة مكانتها.
وعي السكان هذا هو السد المنيع أمام كل محاولة لتحويل المحمدية إلى مجرد “سلعة”. فحين يرفضون أن يكونوا مجرد متفرجين، وحين يرفعون أصواتهم بالنقد والمحاسبة، فإنهم يرسخون حقيقة أن لا أحد يعرف مصلحة المدينة أكثر منهم.
المحمدية: بين الذاكرة والمستقبل
اليوم، تقف المحمدية بين خيارين: أن تستمر رهينة حسابات ضيقة، تُستهلك فيها مواردها دون رؤية، أو أن تستعيد هويتها كمدينة فاعلة في التنمية الوطنية. وهذا لن يتحقق إلا إذا استمع المسؤولون ورجال الأعمال وصنّاع القرار إلى صوتها الداخلي، صوت سكانها، لا إلى أصوات الطامعين في خيراتها.
الخلاصة:
المحمدية ليست أرضًا سائبة، ولا مدينة عابرة. هي كيان حيّ، له تاريخ وذاكرة ومسؤولية تجاه المستقبل. سكانها يعرفون جيدًا من يخدمها ومن يستغلها، ومن يجعلها حقلًا للربح السريع ومن يحافظ عليها للأجيال القادمة. “أهل مكة أدرى بشعابها” مثل عربي قديم، لكنه في حالة المحمدية يترجم اليوم بوعي جماعي قوي: “أهل وسكان المحمدية أدرى بشعابها”، وهم وحدهم القادرون على كشف الأقنعة ورسم الطريق نحو مستقبل أفضل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.