أولاد الشعب يعتقلون أولاد الشعب… والفاعلون في أبراجهم العاجية

ضربة قلم
يبدو أن الحديث عن موجة الاحتجاجات التي تعرفها بلادنا ليس سهلًا ولا بسيطًا، بل متشعب كنسيج من الأسئلة المعلقة. شباب في عمر الزهور، دفعهم القهر اليومي والبطالة وانسداد الأفق إلى النزول إلى الشارع، فإذا بهم يجدون أنفسهم في مواجهة قاسية مع أبناء بلدهم: رجال أمن من نفس الأحياء، من نفس الطبقات الاجتماعية، يرتدون زيًّا رسميًا ويمتثلون لأوامر فوقية. إنها مفارقة مؤلمة: أولاد الشعب يعتقلون أولاد الشعب، بينما الفاعلون الحقيقيون، من نخب سياسية واقتصادية، يراقبون المشهد من أبراجهم العاجية، بعيدًا عن لهيب الشارع ورائحة الغضب.
دولة تراهن على “الترخيص”
المفارقة الأخرى تكمن في التبرير الرسمي: “احتجاجات غير مرخصة”. لكن، متى كانت دولتنا تُجيز التراخيص بسهولة؟ كم من مرة رفعت النقابات طلبات للاحتجاج فقوبلت بالرفض أو التجاهل؟ وكم من مرة لجأت جمعيات المجتمع المدني إلى القنوات القانونية فلم تجد إلا أبوابًا موصدة؟ حين يصبح “الترخيص” شرطًا مستحيلًا، فإن الشارع سيتحول بالضرورة إلى منصة بديلة، وذاك ما يفعله الشباب اليوم.
شباب يبحث عن كرامة
هؤلاء الذين خرجوا، لم يحملوا سوى هواتفهم ولافتات يدوية بسيطة، لم يطلبوا المستحيل. إنهم يطالبون بمدرسة تليق بقرن 21، بمستشفى يُنقذ الأرواح بدل أن يُحوّل المرضى إلى أرقام، بفرص عمل تحفظ ماء الوجه. لكن بدل الاستماع إليهم، كان الردّ متوقعًا: طوق أمني، عربات للتدخل السريع، واعتقالات بالجملة. هنا يبرز السؤال المؤلم: هل صار مطلب الكرامة جريمة؟
السلطة في مواجهة المرآة
المشهد يفضح هشاشة المنظومة السياسية برمتها. فالنخب التي تجلس في المكاتب المكيفة والصالونات المخملية تكتفي بخطابات رسمية تُمجّد “الإصلاحات الكبرى”، في حين أن الواقع يصرخ بالعكس. هؤلاء الفاعلون يتصرفون وكأن البلاد تسير وفق خطة دقيقة نحو المستقبل، بينما الحقيقة أن الشارع يغلي. وعوض أن يواجهوا أنفسهم بمرآة الواقع، يفضلون أن يُسكتوا المرآة بالقمع والاعتقالات.
لعبة “الشرعية” المزدوجة
السلطة تقول: الاحتجاجات غير شرعية. لكن الشعب يسأل: وأين شرعية السياسات العمومية التي تعجز منذ عقود عن حل أبسط الأزمات؟ أين شرعية التوزيع العادل للثروة؟ أين شرعية التعليم العمومي الذي يتداعى يومًا بعد يوم؟ إن الشرعية ليست وثيقة تُوقّع في مكتب إداري، بل هي عقد اجتماعي بين الدولة والمجتمع. وما دامت الدولة تُخلف وعودها، فإن شرعيتها تهتز، ولو غطّتها بالقوانين والمراسيم.
مأساة مزدوجة
المأساة أن رجال الأمن الذين يعتقلون الشباب، هم أنفسهم يعيشون ظروفًا صعبة: رواتب متواضعة، ضغط مهني، انتماء إلى نفس القرى والهوامش. كثير منهم يعرفون جيدًا أن من يضعون الأغلال في يديه قد يكون ابن جاره أو قريبًا له. ومع ذلك، فالأوامر أوامر، ومن يعصيها يعرّض نفسه للعقاب. هكذا يُدفع أولاد الشعب لمواجهة أولاد الشعب، بينما أصحاب القرار في أمان، يراقبون اللعبة من بعيد.
الفاعلون في أبراجهم العاجية
في المقابل، يقبع الساسة ورجال الأعمال في عزلة تامة. يتنقلون في سيارات فارهة، ينامون في أحياء مغلقة، ويقضون عطلهم في الخارج. يسمعون عن الاحتجاجات كما يسمع السائح عن بلد بعيد. لا يلمسون حرارة الشارع ولا يواجهون قسوته. هم في أبراج عاجية، باردة ومرتفعة، تمنعهم من رؤية أن الأرض من تحتهم تهتز.
صوت جيل جديد
هذه الاحتجاجات تكشف أن هناك جيلًا جديدًا لا يقبل القوالب القديمة. جيل Z لم يعد يثق في الوعود الانتخابية ولا في لغة الخشب، جيل يملك أدواته الخاصة في التنظيم والضغط، من تيك توك إلى ديسكورد. وهو لا يخاف أن يقول بصوت عالٍ: نحن هنا، ولن نصمت بعد الآن.
الخلاصة: أزمة ثقة عميقة
في النهاية، القضية ليست مجرد احتجاجات مرخصة أو غير مرخصة. القضية أعمق: إنها أزمة ثقة بين الدولة وشبابها. الدولة ترد بالقمع، والشباب يردون بالمزيد من الإصرار. والفاعلون الحقيقيون يراقبون من بعيد، وكأن الأمر لا يعنيهم. لكن الحقيقة أن الشرخ يتسع يومًا بعد يوم، وأن أي تجاهل لمطالب هذا الجيل سيجعل الغد أكثر انفجارًا.




