دفاتر قضائيةالشأن المحلي

أولاد عزوز على صفيح ساخن: بين الهدم والغضب… وسيناريو لم ينجح

ضربة قلم

في مساءٍ متوتر من أمسيات النواصر، تحوّلت جماعة أولاد عزوز الهادئة إلى مسرحٍ مفتوح لدراما حقيقية اختلطت فيها السياسة بالعمران، والعناد بالغضب، والسلطة بالحسرة. فبين أصوات الجرافات وصراخ الغاضبين، وقفت السلطات المحلية تشرف على عملية هدم عدد من المستودعات التي تعود ملكيتها إلى الرئيس السابق للجماعة، في مشهدٍ جمع بين القانون والدموع، وبين القرار الإداري والانفعال البشري.

العملية التي انطلقت وسط حضور أمني كثيف، جاءت في إطار حملة إقليمية تستهدف محاربة البناء العشوائي والمستودعات غير المرخصة التي تنامت بشكل لافت في ضواحي الدار البيضاء. غير أن ما كان يُفترض أن يكون مجرد إجراء إداري روتيني، سرعان ما تحول إلى حالة استنفار قصوى بعد أن لوّح الرئيس السابق للجماعة بإضرام النار في جسده احتجاجًا على ما اعتبره “ظلماً وتعسفاً في تنفيذ القرار”.

في دقائق معدودة، امتلأ المكان بعناصر الدرك الملكي والقوات المساعدة ومصالح الوقاية المدنية، مدعومين بسيارات الإسعاف. المشهد كان أقرب إلى فيلم واقعي: رجلٌ غاضب يلوّح بقنينة بنزين، محاط برجال السلطة الذين يسعون جاهدين لتفادي الأسوأ، وسكان يتابعون المشهد بقلوبٍ متوترة وعيونٍ متسائلة: كيف وصلنا إلى هذا الحد؟

المعطيات المتوفرة تشير إلى أن أصل الخلاف يعود إلى الوضعية القانونية لتلك المستودعات. السلطات تؤكد أنها بُنيت دون ترخيص قانوني يجيز استغلالها، فيما يصرّ المعني بالأمر على أنه قد أودع ملفًا لتسوية الوضعية الإدارية، وأن القضاء لم يحسم بعد في الملف. بين هذا وذاك، ضاعت الحقيقة بين الوثائق والمراسلات، ليبقى المشهد الميداني وحده هو الأكثر وضوحًا: جرافات تزيل ما بُني على مدى سنوات في دقائق معدودة.

وما زاد الطين بلّة أن الرئيس السابق ظهر في مقاطع مصورة، محاطًا بعدسات الهواتف، يلوّح بقنينة البنزين ويصرخ بأن ما يحدث “تجاوز للقانون وإهانة لمسيرٍ منتخبٍ سابق”. لحظة جنونٍ بدت وكأنها صرخة احتجاج أكثر منها رغبة في الانتحار، قبل أن تتدخل شخصيات محلية معروفة لتهدئة الوضع، في مشهدٍ إنساني خفّف من حدّة التوتر، وأنقذ الموقف من نهاية مأساوية.

لكن الواقعة، رغم انطفائها في لحظتها، تركت شرارةً مشتعلة في الرأي العام المحلي. فقد فتحت من جديد ملف البناء العشوائي الذي يتغذى على ضعف المراقبة وتداخل المصالح، حيث غالبًا ما تتورط فيه أسماء كانت في مواقع القرار، مستفيدة من نفوذها القديم أو من شبكة علاقات لم تنقطع بانتهاء الولاية.

في المقابل، تصرّ سلطات النواصر على المضي قدمًا في حملتها، معتبرة أن احترام القانون لا يعرف الأسماء ولا الألوان السياسية، وأن زمن “الاستثناءات” قد ولّى. فالمستودعات التي تُشيّد خارج الضوابط لا تضرّ فقط بجمالية المجال العمراني، بل تشكل أيضًا خطرًا حقيقيًا على السلامة العامة، خصوصًا حين تُستغل في أنشطة صناعية وتجارية غير قانونية.

غير أن القضية، في جوهرها، تتجاوز واقعة أولاد عزوز لتطرح سؤالًا أعمق: كيف يمكن تحقيق التوازن بين الصرامة في تطبيق القانون وبين مراعاة البعد الإنساني والاجتماعي؟ فالهدم قد يكون أحيانًا ضروريًا لتصحيح الفوضى، لكنه في نظر المتضررين يعني انهيار جزءٍ من حياتهم ومصدر رزقهم، وهو ما يجعل كل عملية من هذا النوع امتحانًا حقيقيًا لمدى نضج العلاقة بين المواطن والدولة.

ومهما يكن من أمر، فإن ما جرى بأولاد عزوز سيظل درسًا مؤلمًا، لكنه كاشف: فالقانون لا يُحترم انتقائيًا، والمسؤولية لا تسقط بانتهاء الولاية، والاحتجاج بالبنزين لن يُعيد ما سقط تحت الجرافات. ما يسقط حقًا هو الثقة، وما يُبنى بعدها يحتاج إلى أكثر من إسمنت… يحتاج إلى مصالحة حقيقية بين القانون والعدالة، بين السلطة والمواطن، بين الغضب والعقل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.