الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

الرأي

أيحدث أن تقبل رأس ابنك؟ أنا أفعل..

محمد رياض/ أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي

كاتب ومهتم بقضايا التربية والتعليم

أيحدث أن تقبل رأس ابنك؟ أنا أفعل.. سؤال قد يبدو صادما في سياق موروثنا الاجتماعي والتربوي، الذي اعتاد صياغة العلاقة بين الآباء والأبناء، ضمن سلم تراتبي عريق، حيث “القبلة على الرأس والجبين” هي حق حصري للأعلى مقاما، يطبعها الابن على جبين أو رأس والديه أو على يديهما استجابة لوازع ديني وأخلاقي واجتماعي، واعترافا بعطاء لا ينضب وتضحيات جسام يقدمها الوالدان. لقد كانت الأسرة، إلى حدود زمن قريب، هي المحور الأوحد للتربية، والمنبت الذي تغرس فيه القيم وتلقن فيه مبادئ، وأسس التربية والأخلاق، فكان الاحترام يسري في عروق الأبناء وأوصالهم مع دمائهم، تحت ظل سلطة أبوية واضحة المعالم وراسخة الأركان.

إلا أننا اليوم نقف أمام مشهد مغاير تماما، فلقد اقتحمت الفضاء الأسري مؤسسات ووسائط بديلة، من عوالم رقمية ومنصات تواصل وجماعات أقران، صارت تزاحم الوالدين في صياغة وعي الأبناء ورسم مصائرهم، بل وتكاد تختطفهم من أحضانهم العاطفية والفكرية. هذه الوسائط لم تعد مجرد أدوات للترفيه، بل أصبحت قوى جبارة تعيد تشكيل الإنسان، وتغرس فيه قيما تغريه بالتمرد وتجذبه نحو فردانية مطلقة تغير من سلم القيم التقليدي، مما أدى إلى تراجع ملموس في السلطة الوالدية، وبروز ظاهرة الأبناء الذين يمارسون ضغطا قويا على آبائهم ويفرضون عليهم بالتالي إيقاعهم الخاص، فتكبر معاناة الأسرة.

وفي ظل هذا الصخب القيمي وهذا الانفلات الذي جعل التربية تصير مهمة شاقة تشبه السير في حقل ألغام، يصبح الابن الذي يختار بوعيه الذاتي أن يظل منضبطا، ويحرص على انتقاء أصدقائه بعناية، ويضع في اعتباره وجود والديه كمرجعية أخلاقية، هو ابن يستحق شارة الريادة الحقيقية.

إن تقبيلي لرأس ابني في هذا السياق ليس تنازلا عن مكانتي، بل هو فعل تربوي عميق الأثر، ونوع من الامتنان والعرفان لشخص استطاع أن يمارس رقابة ذاتية على نفسه في زمن المغريات وهرم القيم المقلوب. أنا أقبل رأسه لأنني أقدر فيه ذلك الاحترام الذي لا يأتي من الخوف، بل من التقدير الواعي لمكانتي، ولأنه بفعله هذا يعفيني من عناء التوجيه القسري والمطاردة التربوية اللاهثة المرهقة.

إن هذا السلوك يمثل في جوهره بعدا تربويا جديدا، يحول القبلة من رمز للتراتبية إلى رمز للصداقة العميقة والاعتراف المتبادل. فحين لا يتعبني ابني، وحين يضبط أموره بمسؤولية تنم عن نضج مبكر، فإنه يقدم لي أجمل هدية يمكن لآباء هذا العصر الحصول عليها. لذا، فإن تلك القبلة هي رسالة حب وتقدير لنفسه التي لم تستسلم لتيار الانحراف والانجراف، وهي اعتراف صريح بأن الاحترام في عالمنا المعاصر صار جسرا يمتد بين الطرفين، فكما نقدر الماضي في آبائنا، يجب أن نقدر الحاضر والمستقبل في أبناء اختاروا بكامل إرادتهم أن يظلوا أوفياء للقيم الأصيلة ولجوهر الإنسان الأصيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.