الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

أينكم يا دعاة المحافظة على البيئة؟ الحديقة الوحيدة بدرب مراكش بالمحمدية تُقتل لتحويلها إلى موقف طاكسيات

ضربة قلم

لأن العمالة، ومعها جماعة المحمدية، تستعدان على ما يبدو لزيارة ملكية مرتقبة، لتدشين مقر المديرية الإقليمية للصحة بالمحمدية، فقد شهد حي درب مراكش واقعة تثير أكثر من علامة استفهام، بعدما جرى القضاء على الحديقة العمومية الوحيدة، التي كانت تشكل المتنفس الأخضر لسكان الحي، وتحويلها بشكل مفاجئ إلى “محطة” لسيارات الأجرة الرابطة بين المحمدية والدار البيضاء.

الحديقة التي كانت، إلى وقت قريب، فضاءً بسيطاً، لكنه ضروري للأطفال وكبار السن والعائلات، تحولت بين عشية وضحاها إلى إسفلت وضجيج وعوادم، في مشهد، يلخص كيف يمكن أن تُذبح المساحات الخضراء باسم “التهيئة” وباسم “الاستعدادات”، وكأن الجمالية الحضرية، لا تتحقق إلا على حساب حق السكان في متنفس بيئي وإنساني.

والمفارقة أن هذا القرار، الذي وُصف في أوساط الساكنة بـ”الاعتباطي”، لا يستند – حسب المعطيات المتداولة محلياً – إلى أي مبرر تخطيطي واضح، سوى الرغبة في إخلاء محيط المديرية الإقليمية للصحة من سيارات الأجرة، التي كانت تصطف هناك في انتظار الزبائن. وبدلاً من إيجاد حل عقلاني، من قبيل تنظيم السير أو تخصيص فضاء بديل، غير مخصص أصلاً للحدائق، تم اللجوء إلى أسهل الحلول: قتل الحديقة.

بهذا السلوك، تكون السلطات المحلية والجماعة، قد اختارت التضحية بمكسب جماعي لفائدة إجراء ظرفي، مرتبط على ما يبدو بحدث عابر، هو زيارة ملكية مرتقبة. وكأن الرسالة المبطنة تقول إن صورة الواجهة أهم من حياة الناس اليومية، وإن الشجرة أقل قيمة من موقف سيارة أجرة، وإن حق الساكنة في فضاء أخضر، يمكن مصادرته بقرار إداري غير معلن.

سكان درب مراكش، الذين استيقظوا على هذا التحول الصادم، عبّروا عن امتعاضهم الشديد من الطريقة التي تم بها الأمر، دون إشراكهم في القرار، ودون أي تواصل يشرح الأسباب أو يقدم بديلاً. فهذه الحديقة، رغم تواضعها، كانت تشكل نقطة التقاء للأطفال بعد المدرسة، وملاذاً للمسنين، وفسحة للهواء في حي يعاني أصلاً، من الاكتظاظ وقلة المرافق الاجتماعية.

والأدهى من ذلك أن تحويل فضاء أخضر إلى محطة سيارات أجرة لا يعني فقط خسارة الأشجار والعشب، بل يعني أيضاً إدخال مصدر جديد للضجيج والتلوث إلى قلب حي سكني، ما يتناقض كلياً مع الشعارات المرفوعة حول “المدينة المستدامة” و”تحسين جودة العيش”.

إن ما حدث بدرب مراكش يثير تساؤلات جدية، حول فلسفة التدبير المحلي: هل الهدف فعلاً خدمة الساكنة، أم مجرد تجميل الواجهة استعداداً لمناسبات رسمية؟ وجلالة الملك، لو وصله هذا الخبر، لن يرضى بمثل هذا الإجراء الذي يقضي على آخر متنفس أخضر لسكان الحي، ويُظهر بوضوح مدى تجاهل حقوق المواطنين وحقهم في بيئة سليمة وآمنة، حيث تُضحى مصالح عابرة قصيرة المدى فوق راحتهم واحتياجاتهم اليومية. ثم أي صورة نريد تقديمها، إذا كانت تقوم على طمس فضاءات الحياة وتحويلها إلى إسمنت؟

إن نجاح أي مشروع ملكي، وأي تدشين رسمي، لا يقاس بعدد الأمتار المعبدة ولا بعدد السيارات المصطفة بعيداً عن الأنظار، بل يقاس بمدى احترام كرامة المواطن اليومية، وحقه في بيئة نظيفة، وفضاءات عمومية، تحفظ له بعضاً من إنسانيته داخل المدينة.

وإذا كان لابد من تنظيم حركة سيارات الأجرة بين المحمدية والدار البيضاء، فذلك ينبغي أن يتم عبر حلول تخطيطية مدروسة، لا عبر الإجهاز على الحدائق. لأن الحديقة التي تُقتل اليوم باسم “الاستعداد”، قد لا تعود أبداً، بينما محطة الطاكسيات، يمكن أن تُنقل في أي وقت.

إن ما جرى ليس مجرد إجراء إداري عابر، بل هو عنوان لطريقة تفكير ترى في المساحات الخضراء ترفاً يمكن الاستغناء عنه، بدل اعتبارها حقاً أساسياً من حقوق الساكنة. وهو ما يستدعي إعادة النظر في هذا القرار، وفتح نقاش حقيقي حول مستقبل الفضاءات العمومية بالمحمدية، حتى لا يتحول كل حدث رسمي، إلى مناسبة جديدة لاغتصاب ما تبقى من رئة المدينة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.