أين اختفت حرمة الجوار أيها “الشلاهبية”.. وأين دفء الجوار والتكافل الاجتماعي؟!

ضربة قلم
كانوا يقولون قديماً إن الجار قبل الدار، وإن الجار ستر، وإن “الجار للجار ولو جار”. أما اليوم، فقد صار بعض الجيران، يعتقدون أن الجار، خُلق فقط ليستمع إلى ضجيجهم، ويتحمل أنانيتهم، ويصفق لمسرحياتهم اليومية، ثم يشكرهم على حسن الجوار!
من المفارقات العجيبة في هذا الزمن، أننا نتباهى بالتمدن، ونلتقط صوراً أمام العمارات الحديثة، ونشتري أحدث الهواتف، لكننا نفشل في اجتياز أبسط امتحان اجتماعي: كيف تكون جاراً محترماً؟
كان الجار في الماضي فرداً من العائلة الكبيرة. إذا مرضت، سبقك إلى باب الطبيب، وإذا غبت، اطمأن عليك، وإذا احتجت كوب سكر، منحك الكيلو كله، وهو يعتذر، لأنه لم يجد أفضل منه. أما اليوم، فقد أصبح بعض الجيران يحفظون تفاصيل حياتك، أكثر مما يحفظون أحوال أسرهم؛ يراقبون دخولك وخروجك، ويعدّون ضيوفك، ويتتبعون مشترياتك، لكنهم لا يطرقون بابك للاطمئنان عليك، إلا إذا انتشر خبر إصابتك بمكروه، أو وجدوا في مصيبتك مادة دسمة، لجلسة نميمة جديدة. لقد تحول بعضهم من جار يُؤنس الوحدة إلى مراسل غير رسمي لأخبار الحي، يقتات على الفضول، أكثر مما يعيش على قيم المودة وحسن الجوار.
والمصيبة ليست في الضجيج وحده، بل في العقليات التي أصبحت تعتبر الأنانية أسلوب حياة. هناك من لا يرى في الحي سوى امتداد لملكيته الخاصة. رصيف بيتك خاص بزبنائه المكترين، والشارع له، والهدوء يجب أن يخدم مزاجه وحده، أما راحة الآخرين، فتأتي في آخر جدول الأعمال، إن بقي لها مكان أصلاً.
ومن أطرف النماذج التي يمكن أن تصادفها، ذلك الجار الذي تجاوز السبعين، أو يقترب من الثمانين عاماً، لكنه ما زال يعيش على بطولات من نسج الخيال. كل صباح يقدّم نفسه لمكتريه، وكأنه الأستاذ المتقاعد، والمفكر الكبير، وصاحب التجربة الفريدة، بينما يعرف أبناء الحي، صغارهم قبل كبارهم، أنه أمضى حياته في مهنة بسيطة وشريفة، لا عيب فيها إطلاقاً. فالعيب ليس في المهنة، بل في الكذب المزمن ومحاولة صناعة سيرة ذاتية، لا وجود لها، إلا في مخيلته.
والأعجب من ذلك كله، أن هذا النموذج من الجيران الكذّابين لا يحب إلا نفسه. فلا يفرح لنجاح أحد، ولا يحزن لمصيبة أحد، ولا يعرف من الجوار سوى ما يخدم مصالحه الشخصية. فإذا احتاج إليك، أصبح يناديك بـ”سي فلان”، ويغدق عليك عبارات الود والاحترام. أما إذا احتجت إليه في أبسط خدمة لا تكلفه شيئًا، اكتشفت أنه يفيض مكرًا، ويتفنن في اختلاق الأعذار، وكأن المعروف أصبح عبئًا لا يُحتمل.
أما إذا وقع خلاف داخل الحي، فإنه يتحول إلى وكالة أنباء متنقلة، ينقل الكلام من بيت إلى آخر بسرعة تفوق سرعة الإنترنت، ويضيف إليه من البهارات، ما يكفي لإشعال حرب دبلوماسية بين جارين كانا يتبادلان التحية قبل دقائق.
لقد أصبحت بعض الأحياء مسارح مفتوحة لعروض يومية من الفوضى. أبواب تُغلق كأنها مدافع ميدانية، دراجات نارية تعلن حالة الطوارئ كل مساء، مكبرات صوت تشتغل، وكأن الحي بأكمله مدعو لحفل خاص، لم يتلقَّ دعوته، وسيارات تُركن أحياناً أمام أبواب الجيران، وكأن احترام الفضاء المشترك، ترف لا يقدر عليه، إلا أصحاب الكواكب الأخرى.
والأدهى أن من يطالب بالهدوء، يُتهم بأنه معقد، ومن يدافع عن حقه في النوم، يُوصف بأنه “لا يحب الناس”، ومن يطالب باحترام القانون، يصبح فجأة عدواً للفرح. وكأن التحضر في نظر البعض، هو أن تتحمل الإزعاج بصمت، وأن تبتسم لمن يسلبك راحتك.
المشكلة ليست في الزمن، فالزمن لا يكذب ولا يزعج ولا يحتل الأرصفة. المشكلة في أشخاص، فقدوا البوصلة الأخلاقية، واعتقدوا أن الحرية، تعني فعل كل شيء دون اعتبار للآخرين.
لقد ضاعت قيم كثيرة في الطريق، لكن أكثرها إيلاماً هو اختفاء الإحساس بالجار. لم تعد الأبواب تُطرق للاطمئنان، بل للشكاية. ولم تعد الابتسامة عادة، بل استثناء. ولم يعد السؤال عن المريض أو المسن أو المحتاج من الأولويات، لأن شعار المرحلة أصبح: “نفسي… وبعدي الطوفان”.
ثم نسأل باستغراب: لماذا اختفت المودة؟ ولماذا كثرت الخصومات؟ ولماذا أصبح كل بيت، يعيش وكأنه جزيرة معزولة؟
الجواب بسيط جداً.
لأن بعض الناس يريدون كل الحقوق لأنفسهم، ولا يعترفون بأي واجب تجاه غيرهم. يريدون الاحترام، لكنهم لا يحترمون، ويطالبون بالتقدير، وهم لا يقدرون أحداً، ويغضبون إذا أزعجهم صوت عابر، بينما يرون ضجيجهم اليومي، موسيقى مجانية ينبغي للجميع الاستمتاع بها.
إن حرمة الجوار ليست شعاراً يردد في المناسبات، ولا حديثاً يلقى في خطبة الجمعة، ثم يُنسى عند باب المسجد، بل هي سلوك يومي يبدأ من خفض الصوت، واحترام راحة الآخرين، والصدق في التعامل، والتواضع، وعدم ادعاء بطولات أو ألقاب، لم يعشها الإنسان يوماً.
فالناس لا تحترم من يختلق لنفسه تاريخاً، بل تحترم من يصنع لنفسه سمعة طيبة. ولا ترفع قيمة الإنسان كثرة ادعاءاته، بل يرفعها صدقه، وأخلاقه، وحسن جواره.
ويبقى السؤال الذي يؤلم أكثر مما يثير الفضول:
أين اختفت حرمة الجوار أيها “الشلاهبية”؟ وأين ذهب ذلك الدفء الاجتماعي، الذي كان يجعل الحي أسرة واحدة؟
لعل الجواب عند أول جار، يطفئ ضجيجه احتراماً لغيره، ويطرق باب جاره، ليسأل عن صحته، لا ليتباهى بسيرة ذاتية، لا يعرفها إلا هو.




