الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

سياسة

أين اختفى الأساتذة من البرلمان؟ وهل أصبح الترشح يحتاج إلى كنز علي بابا؟

ضربة قلم

كان المشهد السياسي المغربي خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وحتى جزء مهم من التسعينيات، يعرف حضورا لافتا لرجال التعليم داخل الأحزاب والنقابات والمؤسسات المنتخبة. كان الأستاذ والمعلم والمفتش والمدير يشكلون خزانا بشريا أساسيا للعمل السياسي والفكري. ولم يكن غريبا أن تجد في البرلمان أو المكاتب السياسية للأحزاب، أسماء خرجت من الأقسام الدراسية، قبل أن تنتقل إلى قاعات الاجتماعات وصناديق الاقتراع.

اليوم، ونحن على أبواب استحقاقات تشريعية جديدة، يكاد هذا الحضور يختفي بشكل لافت ومثير للتساؤل. فأين ذهب رجال التعليم؟ ولماذا تراجع دورهم السياسي إلى هذا الحد؟ وهل أصبح الوصول إلى البرلمان، يتطلب امتلاك ثروة علي بابا أو مفاتيح مغارة الأربعين حراميا؟

في الماضي، كان رجل التعليم يتمتع بمكانة اجتماعية معتبرة. كان يعيش وسط المواطنين، يعرف مشاكلهم، ويشاركهم همومهم اليومية. وكان بحكم تكوينه الثقافي والمعرفي، قادرا على النقاش والإقناع وصياغة الأفكار والبرامج. ولذلك كانت الأحزاب السياسية، تتنافس على استقطاب الأساتذة والمعلمين، لأنهم كانوا يشكلون نخباً حقيقية قادرة على التأطير والتواصل والتعبئة.

كما أن السياسة آنذاك، لم تكن مرتبطة بالمال بنفس الصورة التي نراها اليوم. صحيح أن الانتخابات، كانت دائما تحتاج إلى إمكانيات مادية، لكن الفارق كان شاسعا بين الأمس واليوم. فقد كان المرشح يستطيع أن يصل إلى الناخبين عبر العمل الميداني والنقابي والجمعوي، وعبر رصيده الفكري والنضالي. أما اليوم، فقد أصبح البعض، يشعر أن الحملة الانتخابية تشبه سباقا ماليا أكثر مما تشبه منافسة سياسية.

لقد ارتفعت كلفة الانتخابات بشكل كبير. فهناك المقرات، والملصقات، والتنقلات، والتواصل الرقمي، والأنشطة الموازية، والولائم وأمور مكلفة لا تخفى على بالكم، وشبكات العلاقات الواسعة التي تتطلب إمكانيات ضخمة. وأمام هذا الواقع، يجد الأستاذ نفسه في منافسة غير متكافئة، مع رجال أعمال وأصحاب شركات ومستثمرين، يملكون من الموارد المالية ما يسمح لهم بالحضور القوي والمستمر.

ثم هناك عامل آخر لا يقل أهمية، وهو تراجع صورة العمل السياسي نفسه. فالكثير من رجال التعليم الذين كانوا ينظرون إلى السياسة، باعتبارها رسالة وتكليفا، أصبحوا يرونها اليوم مجالا يطغى عليه الصراع والمصالح والحسابات الضيقة. ولهذا فضل عدد منهم الانسحاب أو الاكتفاء بالعمل النقابي أو الجمعوي، بدل خوض معارك انتخابية، قد تكلفهم الكثير ولا تضمن لهم شيئا.

ولا يمكن إغفال التحولات التي عرفها قطاع التعليم نفسه. فالأستاذ المعاصر يعيش ضغوطا مهنية وإدارية واجتماعية متزايدة. بين الاكتظاظ والمذكرات والتقارير والتقييمات والإصلاحات المتلاحقة، لم يعد يملك الوقت ولا الطاقة اللذين كانا متاحين لأسلافه من أجل الانخراط المكثف في العمل السياسي.

لكن السؤال الأهم يظل: هل خسرت السياسة المغربية شيئا باختفاء رجال التعليم؟

الجواب عند كثير من المتابعين هو نعم. لأن رجل التعليم، مهما اختلف الناس معه، كان يحمل في الغالب، تكوينا فكريا وثقافيا يسمح له بإثراء النقاش العمومي. وكان يعتبر المدرسة والجامعة والثقافة ،مدخلا أساسيا للتنمية. أما حين يصبح المال هو المعيار الأول للترشيح، فإن الكفاءة، قد تجد نفسها أحيانا في الصفوف الخلفية.

لا يعني هذا أن كل رجال الأعمال غير مؤهلين للعمل السياسي، كما لا يعني أن كل رجال التعليم، كانوا ناجحين في تدبير الشأن العام. لكن التوازن الذي كان قائما في السابق بين مختلف الفئات الاجتماعية، أصبح مختلا بشكل واضح. وأصبحت بعض المؤسسات المنتخبة، تعكس بشكل متزايد نفوذ المال، أكثر مما تعكس تنوع المجتمع.

ولعل أخطر ما في الأمر أن الشباب الذين يتابعون هذا المشهد، قد يقتنعون بأن النجاح السياسي، لم يعد يمر عبر الدراسة والمعرفة والعمل الفكري، بل عبر الثروة والقدرة المالية. وهنا تتحول السياسة من فضاء للتنافس بين الأفكار إلى ساحة للتنافس بين الحسابات البنكية.

لقد كان رجال التعليم في زمن مضى، يشكلون أحد أعمدة الحياة السياسية المغربية. كانوا يكتبون ويؤطرون ويناقشون ويقودون المبادرات. أما اليوم، فإن حضورهم أصبح محدودا إلى درجة تدفع إلى التساؤل: هل اختاروا هم الابتعاد عن السياسة، أم أن السياسة نفسها هي التي ابتعدت عنهم؟

سؤال قد لا نجد له جوابا واحدا، لكن المؤكد أن الديمقراطية، تصبح أكثر صحة، عندما تفتح أبوابها أمام جميع الكفاءات، لا فقط أمام القادرين على تحمل الفواتير الباهظة للمواسم الانتخابية. فالوطن يحتاج إلى أصحاب الأفكار، بقدر ما يحتاج إلى أصحاب الأموال، وربما أكثر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.