
ضربة قلم
لم يكن حادث وفاة مفتشتين تربويتين في العرائش مجرد فاجعة عابرة. لم تكن ضربة حظ سيئة، ولا لعنة طريق، ولا صدفة قاسية. كانت – بكل وضوح – حصيلة سنوات طويلة من الإهمال الإداري، وصمت الوزارة، و”تدبير” يتهرب من الأساسيات ويتباهى بالشعارات.
واليوم، بعد أن فقدت منظومتنا التربوية اثنتين من نسائها، وهما تؤديان واجبهما المهني على متن سيارة مصلحة مهترئة، تتحرك الوزارة أخيرًا… تتحرك متأخرة، مرتبكة، وكأنها فوجئت بما حدث. وكأن آلاف أصوات المفتشين، لسنوات، لم تكن تصرخ في الفراغ:
“أسطول النقل متهالك… حياتنا في خطر.”
وزارة استفاقت بعد الفاجعة… فحسب؟
بعد أسابيع من الحادث المفجع، تبعث الوزارة مراسلة مستعجلة إلى الأكاديميات الجهوية تطلب فيها جرد وسائل النقل، وتقييم وضعية المقرات الإقليمية للمفتشيات، وإرسال برنامج العمل الخاص بالتجهيز والتأهيل…
خطوات جميلة على الورق، محترمة في الشكل، لكنها تأتي على وقع سؤال حارق:
ولِمَ الآن؟ لماذا لم تُفتح هذه الملفات قبل أن تُزهق الأرواح؟
هل كانت الوزارة بحاجة إلى فاجعة دامية، لتكتشف فجأة أن سيارات المصلحة تتحرك بنَفَسها الأخير؟
هل كانت تنتظر وفاة موظفات ومفتشين لتقتنع بأن التفتيش ليس مجرد “هيئة” في قانون، بل بشر يتحركون على طرق محفوفة بالمخاطر؟
أين كانت أثناء تقارير الاحتقان، شكايات الميدان، الوقفات السابقة، والتنبيهات المتكررة من النقابات؟
إهمالٌ مُزمن… وثمنه يُدفع بالدم
شهادة النقابة الوطنية لمفتشات ومفتشي التعليم كانت واضحة:
ما حدث نتاج مباشر للاستهتار، لتقادم أسطول النقل، لغياب الصيانة، لعدم توفير سيارات كافية ومحترمة، ولعشوائية تدبير الوسائل اللوجستية.
هذه ليست مبالغة. هذه حقيقة رسختها السنوات، ويعرفها كل من يشتغل على الأرض.
المفتش يعيش يوميًا بين مؤسستين وثلاث وأربع في اليوم الواحد، يقطع عشرات الكيلومترات في طرق ريفية، جبلية، متهالكة…
ومع ذلك، تُترك سيارات المصلحة متقادمة، غير صالحة، غير مؤمّنة، وغير مراقبة.
فأية منظومة تربوية تحترم نفسها تقبل بهذا الوضع؟
حين يصبح المفتش ضحية “البريكولاج الإداري”
الوزارة اليوم تطلب تقارير، وجردًا، ومعطيات.
جميل.
لكن السواد الأعظم من المفتشين يسأل:
أين كانت هذه اليقظة حين كانت سيارات المصلحة تتعطل وسط الجبال؟
أين كانت حين كان المفتشون يشترون البنزين من جيوبهم؟
أين كانت حين كانت المراكز الإقليمية تعمل في محلات متهالكة بلا تجهيزات؟
إنه السؤال الذي يجب أن يُجاب عنه… بصدق.
لأن ما يحدث ليس مجرد خلل، بل نموذج لإدارة تكتفي بالترقيع ولا تتحرك إلا حين تقع الكارثة.
وقفة المفتشين… صرخة في وجه العبث
لم يكن خروج المفتشين للشارع حدثًا عابرًا.
كان صرخة مجتمع مهني ضاق ذرعًا بالإهمال، وقرر أن يقول:
كفى.
كفى تحميلًا للهيئة مسؤوليات جسيمة دون توفير الوسائل.
كفى تعاملًا مع حياتهم مثل بند هامشي في ميزانية.
كفى صمتًا أمام أخطاء متراكمة تُهدد الجميع.
الوزارة مطالَبة اليوم قبل الغد
ما نريده ليس مراسلات عابرة. ولا جردًا يُكتب على الورق لتهدئة العاصفة.
نريد سياسة واضحة، وقرارات جريئة، ومحاسبة حقيقية لكل من ترك أسطول سيارات المصلحة يموت ببطء، وكل من جعل حياة المفتشات والمفتشين رهينة صدفة أو مطب أو طريق معزول.
فالاعتراف بالتقصير أول خطوة.
وبدونها… سنستمر في طقوس الحداد كل سنة، وسنواصل السؤال ذاته كل مرة:
أين كانت الوزارة… قبل أن يفوت الأوان؟




