إدانة رئيس مقاطعة وقائد بفاس بسبب فضيحة رخص البناء والربط غير القانونية

ضربة قلم
فاس… يا زهرة المدائن ويا أم الزليج والجلابة! من كانت تُفاخر بتاريخها العلمي وروحها الأندلسية، تحوّلت اليوم إلى مسرحية سخيفة بعنوان: “الرخصة لمن يُتقن الدفع، لا لمن يحترم القانون!”
ماشي فيلم هندي ولا حلم مزعج، هادي قصة مغربية خالصة، بطلاها: رئيس مقاطعة وقائد ملحقة، ومعاهم فرقة العازفين على أوتار الفساد… أعوان سلطة ومهندسين، كلهم مجتمعين حول مائدة عامرة بالاتهامات: من الارتشاء إلى التزوير، ومن استغلال النفوذ حتى تبديد المال العام. أما التحلية؟ رخص بناء وربط كهربائي كتتوزع كيف البطاطا في سوق أربعاء… سواء كانت البناية فوق ضريح ولا في قاع الواد، المهم “الفلوس كاينة والمعارف واجدة”.
رئيس المقاطعة، الذي كان يجب أن يُدبّر الشأن المحلي، اكتشفنا أنه كان يُدبّر الرخص كما يُوزّع بائع الحلوى قطع الشكولاتة: بدون وزن، وبدون قانون… فقط بقليل من “النية الطيبة” وكثير من “الكاش”. سنتان حبسا نافذا كانت كفيلة بجعل الرجل يُفكر مرتين قبل أن يوزّع الرخص كما يُوزَّع النعناع في سوق الخميس. أما القائد، فقد حصد سنة ونصف، لعلها كافية ليعيد حساباته في استعمال “خاتم السلطة” دون ضوابط.
أما أعوان السلطة، فقد أخذوا نصيبهم من الأحكام، فقط لأنهم ظنّوا أن عبارة “عندك شي رخصة؟” تعني “عندك شي سبسي؟”… فوزعوا التراخيص كأنهم يوزعون بطاقات المعايدة في رأس السنة.
المهندسون؟ أربعة منهم أدوا ثمن “البصمات التقنية” بأحكام مخففة… شهرين نافذة فقط! ربما لأنهم مهندسو ديكور، وكانوا يظنون أن المادة 64 من قانون التعمير هي مجرد كود لون للطلاء.
أما نائب الرئيس وبعض موظفي وكالة الماء والكهرباء فقد نجاهم الله من هذا المستنقع، إما ببراءة حقيقية، أو لعدم تمكن النيابة من فك شفرة “علاقتهم بالمولد الكهربائي”.
لا ننسى قرار وكيل الملك الذي أغلق الحدود في وجه الرئيس. ربما تحسبا أن يهرب إلى وجهة مجهولة فيها رخص تُمنح مقابل كيلو تفاح.
الشكاية التي فجّرت البركان جاءت من والي سابق، قرر أن يخلط أوراق اللعبة، فاستنجد بالقضاء. وهكذا بدأت سلسلة من التحقيقات أشرف عليها قاضي قرر أن يُعلّق لافتة كتب عليها: “المقاطعة ليست مزرعة… والربط الكهربائي ليس حقًا مكتسبًا مقابل ورقة صفراء!”
وقد قُرّر إيداع “أبطال الرخصة” السجن المحلي بوركايز، حتى يتسنى لهم تأمل المشهد من خلف القضبان، وتذكّر أن التعمير لا يُدار بتطبيق “واتساب” ولا بخريطة مرسومة على منديل مقهى.
المثير للضحك، أو للبكاء (لا ندري)، أن بعض المنعشين العقاريين تمّت إحالتهم على المحكمة الابتدائية… هؤلاء عباقرة البناء في الظلام، حيث يمكنهم تشييد عمارة من 5 طوابق دون أي رخصة، ثم يطالبون الربط الكهربائي وكأنهم يسألون عن كلمة واي فاي.
ومسك الختام: مجلس الحسابات، الذي زار المقاطعة أواخر 2023، خرج مصدوما من حجم “الاختلالات”، حيث وجد دفاتر التحملات ممزقة، والمصابيح العمومية موجهة نحو جيوب البعض، وصفقات توصف بأنها “مشبوهة” كان يمكن أن تفوز بجائزة “المشروع المسرحي للسنة”.
فاس ليست فقط العاصمة العلمية، بل تحوّلت – بفضل هذه الكائنات – إلى العاصمة المتواطئة، حيث القانون لا يُطبَّق إلا على الباعة المتجولين، أما “أصحاب الكراسي”، فيُمنح لهم الضوء الأخضر حتى ولو كانت الطريق نحو الحبس معبّدة بالخروقات.
لكن لا بأس… فالعدالة اشتغلت، والأنوار عادت لتُشعل قاعات المحكمة بدل الأعمدة في أزقة جنان الورد.




