
م-ص
قبل نحو ثمانية وعشرين عاماً، وتحديداً في تلك اللحظة السياسية التي سُمِّيت وقتها بـ”حكومة التناوب”، كتبتُ مادة ساخرة، لم يكن كثيرون، يتوقعون أنها ستصمد أمام الزمن، بهذا الشكل. قلتُ يومها، بنبرة فيها شيء من الدعابة، وكثير من الواقعية السياسية، إنه سيصبح مباحاً لحزب الاتحاد الدستوري، وهو يدخل صفوف المعارضة، أن يستعين بصحفيي جريدة الاتحاد الاشتراكي، بينما سيكون من حق حزب الاتحاد الاشتراكي، وهو يلج أبواب الحكومة، أن يستعين بصحفيي جريدة رسالة الأمة الذين اعتادوا آنذاك، على نشر الأخبار الرسمية من قبيل: كل شيء على ما يرام، وكلشي زين.
كانت تلك الجملة، تبدو آنذاك مجرد طرفة سياسية عابرة، أو لنقل مزحة ثقيلة بعض الشيء في زمن، كانت فيه السياسة ما تزال تحرص على ارتداء بدلة الوقار. لكن السنوات مرت، والأحداث توالت، وإذا بالواقع- كعادته – يبرهن مرة أخرى أنه أكثر سخرية من أي كاتب.
فالاتحاد… الذي كان في الماضي اتحادين مختلفين في اللغة والنبرة والموقع السياسي، صار اليوم في نظر الكثيرين مجرد “اتحاد كبير”، تختلط فيه الأدوار، كما تختلط الألوان، في لوحة لم يكتمل رسمها. الاتحاد الاشتراكي الذي كان يرفع رايات المعارضة التاريخية، ويتحدث بلغة النضال واليسار، صار اليوم يجتهد في تدبير ما تبقى من حضوره السياسي، بينما الاتحاد الدستوري الذي كان يتقن فن الدفاع عن السياسات الحكومية، صار بدوره يبحث عن موقع في خريطة حزبية، لم تعد تشبه تلك التي عرفناها في التسعينيات.
تذكرتُ كل هذا وأنا أتابع، بشيء من الابتسام وربما بشيء أكبر من ذلك، جولة إدريس لشكر في أقاليم الشرق هذه الأيام. الرجل يتحرك بنشاط واضح، يجوب المدن والنواحي، يلتقي “المناضلين” – أو ما تبقى منهم – ويتفقد الدوائر الانتخابية، كما يتفقد المزارع محصوله قبل موسم الحصاد.
لكن الفرق بين الأمس واليوم، أن الحصاد هذه المرة لا يبدو وفيراً.
فحزب المهدي بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد وعمر بنجلون – وهو الحزب الذي كان في يوم من الأيام مدرسة سياسية كاملة – عرف في السنوات الأخيرة موجات من الاستقالات الجماعية، التي جعلت كثيرين يتساءلون: هل نحن أمام حزب، يعيد ترتيب أوراقه، أم أمام حزب يحاول فقط ألا يفقد آخر أوراقه؟
الشرق المغربي، بطبيعته السياسية الخاصة، ليس أرضاً سهلة لأي حزب. إنها منطقة، تعودت على تقلبات السياسة، كما تعودت على رياح الحدود. هناك، لا يكفي أن ترفع شعارات التاريخ، ولا أن تستحضر أمجاد الماضي. الناخب في تلك المناطق أصبح أكثر براغماتية، وربما أكثر برودة في تعامله مع الخطاب السياسي.
ومع ذلك، يواصل إدريس لشكر جولاته، وكأنه يريد أن يبعث برسالة، تقول إن الحزب ما يزال حاضراً، وإن الاتحاد الاشتراكي – رغم كل ما قيل ويقال – لم يتحول بعد، إلى مجرد فصل، في كتاب التاريخ السياسي المغربي.
غير أن المفارقة الطريفة، وربما الساخرة، أن كثيراً من الذين يتابعون هذه الجولات، لا يستطيعون منع أنفسهم من طرح سؤال بسيط: هل ما نراه اليوم هو محاولة لإحياء الحزب، أم مجرد محاولة لإثبات أنه، ما يزال على قيد الحياة؟
فالسياسة المغربية، كما نعرفها جميعاً، لا تعترف كثيراً بالحنين. الناخب لا يصوت للتاريخ، بل لما يراه أمامه الآن. والجيل الجديد من المغاربة قد يسمع أسماء مثل المهدي بن بركة أو عمر بنجلون، كما يسمع أسماء من كتاب التاريخ: باحترام كبير، لكن دون ارتباط سياسي مباشر.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى.
فالحزب الذي كان يوماً مدرسة للنضال السياسي، يجد نفسه اليوم مضطراً، إلى خوض معركة مختلفة تماماً: معركة إثبات الوجود.
ولذلك، حين أستعيد تلك الجملة، التي كتبتها قبل ثلاثين سنة، عن تبادل الصحفيين بين الاتحاد الاشتراكي ورسالة الأمة، أشعر أحياناً أن السخرية، لم تكن في الجملة نفسها، بل في الزمن الذي جعلها، تبدو أقل سخرية، مما كنا نعتقد.
فالسياسة، كما يبدو، قادرة دائماً على تحويل المزاح إلى واقع… والواقع إلى مزاح أكبر.
أما الشرق، الذي يستعد اليوم لاستقبال جولات انتخابية جديدة، فإنه يراقب المشهد بهدوءه المعهود، تاركاً السياسيين يتنافسون على إقناع الناخبين، بينما الناخب – في النهاية – هو الوحيد الذي يملك الكلمة الأخيرة.
إلى ذلك الحين، سيظل الاتحاد… اتحاداً.
لكن السؤال الذي يهم كثيرين اليوم لا يتعلق باسم الحزب، بل بوزنه الحقيقي في صناديق الاقتراع، عندما يحين موعد الحقيقة، أولاً وأخيراً.




