
ضربة قلم
يبدو أن إدريس لشكر، لم يعد يكتفي بالسياسة، بل دخل رسميًا عالم الأحلام اليقظة عالية الدقة. الرجل يتحدث بثقة من جرّب الحكم عشر سنوات… لا من حزب قضى سنوات، وهو يبحث عن نفسه بين الورد الذابل، وصناديق اقتراع لا تتذكره.
لشكر، وهو يخاطب الاتحاديين، لمّح – بل صرّح دون أن يرفّ له جفن – أن حزب الاتحاد الاشتراكي جاهز لقيادة البلاد. جاهز كيف؟ متى؟ وبأي نسخة من المغرب؟ لا أحد يعرف. لكن الواضح أن الرجل، يتحدث عن مغرب آخر، ربما نسخة “بيتا” (Beta)، لا نراها نحن المواطنين العاديين.
المؤتمر الوطني الثاني عشر، حسب لشكر، حمّل الاتحاديين “مسؤولية تاريخية”. تاريخية لدرجة أننا، نحن بدورنا بحثنا في كتب التاريخ: أي تاريخ؟ تاريخ الستينات؟ السبعينات؟ أم تاريخ، ما قبل انقراض الديناصورات السياسية؟
إعادة البناء، ترسيخ القيم، استعادة الصورة… قاموس جميل، يُستعمل عادة عندما يكون الواقع في حالة إنعاش اصطناعي.
أما الحديث عن “القرب من هموم المواطنين”، فهو فقرة كوميدية بامتياز. فالمواطن، إن صادف اتحاديا اليوم، غالبًا سيظنه مرشحًا من حزب آخر، أو من جمعية الأحياء، أو مجرد شخص تائه، يبحث عن عنوان. القرب موجود… لكن فقط في الخطب.
ولأن السخرية لا تكتمل دون جرعة ثقة زائدة عن اللزوم، يؤكد لشكر أن الحزب يتوفر على “جميع الشروط السياسية والتنظيمية” لقيادة البلاد. جميعها؟ حتى تلك التي لا نراها بالمجهر؟
خطاب صادق؟ لغة الحقيقة؟ المصلحة العليا للوطن؟ كلمات فخمة، تُقال بسهولة، مثل وعود تخفيض الأسعار قبل الانتخابات.
ثم ينتقل الرجل، بكل هدوء، ليلعب دور الضحية النبيلة، متحدثًا عن “ثقافة” تقدّم المنتخب دائمًا في صورة سلبية. طبعًا! لأن المنتخب عندنا بريء… والمشاريع تتعثر من فرط النجاح، والطرق، تُحفر فقط لتهويتها، وليس لنهب الميزانيات.
ويُطمئننا بأن العمل الميداني، لا تقوم به الإدارة وحدها، بل أيضًا الأحزاب التي “تشتغل ليل نهار”. ليل نهار؟
ليلًا في المقاهي، نهارًا في البيانات.
وعندما يتحدث عن ضعف كفاءة بعض المنتخبين، هنا تبلغ المسرحية ذروتها:
زعيم حزب ينتقد منتخبين… من نفس المدرسة السياسية… وكأنهم هبطوا فجأة، من كوكب آخر، دون علم الحزب أو تزكيته.
ثم تأتي الدعوة إلى “تصحيح المسار” و”معالجة الفوارق المجالية”، استعدادًا لـ”حصد أكبر عدد ممكن من المقاعد”. أخيرًا كلمة صادقة! المقاعد أولًا، ثم نفكر لاحقًا في المواطن.
ولأن السياسة عندنا لا تكتمل، عند بعض الزعماء، دون المرور الإجباري من ملف الصحراء المغربية، والهيدروجين الأخضر، وهي ملفات وطنية كبرى، ظل جلالة الملك يسهر عليها شخصيًا، يدخل لشكر فجأة في وضعية محلل استراتيجي دولي، مشيدًا باتفاقيات الحكومة الحالية (التي لا يقودها)، ومباركًا إنجازاتها، في انتظار اليوم، الذي سيقود فيه هو البلاد… بخطاب المعارضة، وبإنجازات الآخرين.
أما حديثه عن الدار البيضاء، وعن الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، فهو أشبه بخطاب مدرب جديد لفريق يحتل مؤخرة الترتيب، يعد الجماهير بالبطولة… فقط امنحوني الوقت، والملعب، واللاعبين، والحكام، والجمهور.
الخلاصة؟
إدريس لشكر لا يرى نفسه فقط كاتبًا أول، بل رئيس حكومة مؤجل، ينتظر فقط، أن يستيقظ المغاربة من الواقع… ويدخلوا معه في الحلم.
حلم وردي… لكنه، للأسف، بلا شوك انتخابي.




