
ضربة قلم
في مشهد يعكس الوجه الآخر لشبكات التهريب الدولي، لم تعد السواحل الشمالية للمغرب مجرد نقطة عبور صامتة، بل تحولت إلى مسرح مفتوح لصراع خفي بين أجهزة الأمن، وعصابات منظمة عابرة للحدود. آخر فصول هذا الصراع، كُتب بمدينة طنجة، حيث انتهت مغامرة ستة مواطنين إسبان خلف القضبان، بعدما سقطوا في قبضة العدالة، وهم في قلب عملية تهريب ضخمة للمخدرات.
القصة بدأت في عرض البحر، بعيدًا عن الأعين، حيث كانت عناصر من البحرية الملكية، تقوم بدورياتها الاعتيادية. غير أن حركة مشبوهة لزورق متوقف وسط المياه أثارت الشكوك، لتتحول المراقبة إلى تدخل حاسم. عملية التفتيش، لم تكن عادية، فقد أسفرت عن حجز كمية مهولة من مخدر الحشيش بلغت حوالي طن و700 كيلوغرام، في واحدة من العمليات، التي تؤكد حجم الرهانات المالية الضخمة المرتبطة بهذا النشاط غير المشروع.
التحقيقات الأولية، كشفت أن الموقوفين الستة، وجميعهم يحملون الجنسية الإسبانية، لم يكونوا مجرد ناقلين عرضيين، بل يُشتبه في كونهم جزءًا من شبكة منظمة تنشط في التهريب الدولي. وتشير المعطيات إلى أن الزورق، لم يكن في طريق عودته أو في حالة فرار، بل كان في وضع انتظار، يرجّح أنه لتسلم شحنة إضافية، قبل الإبحار نحو الضفة الأخرى من المتوسط، حيث السوق الأوروبية، التي تظل الوجهة المفضلة لهذه التجارة المربحة.
هذا المعطى، يفتح الباب أمام فرضية وجود تنسيق محكم بين أطراف متعددة، تمتد من داخل التراب المغربي، إلى شبكات استقبال بالخارج، ما يعزز الطابع العابر للحدود لهذه العمليات، ويصعّب من مهمة تفكيكها بشكل نهائي.
وبعد انتهاء فترة الحراسة النظرية، تم تقديم المشتبه فيهم أمام النيابة العامة، التي أحالتهم بدورها على قاضي التحقيق بالمحكمة الابتدائية بطنجة. هذا الأخير قرر متابعتهم في حالة اعتقال، مع إيداعهم السجن المحلي “طنجة 2”، في انتظار تعميق البحث وكشف خيوط هذه القضية التي تبدو أكبر من مجرد عملية معزولة.
التحقيق المرتقب لا يُنتظر أن يقف عند حدود الموقوفين، بل يُرجح أن يمتد ليشمل شركاء محتملين، سواء داخل المغرب أو خارجه، خاصة في ظل المؤشرات التي توحي بوجود شبكة منظمة، تعتمد على التخطيط المسبق، وتقسيم الأدوار، واستغلال المسالك البحرية بشكل احترافي.
هذه الواقعة تعيد إلى الواجهة سؤالًا قديمًا متجددًا: إلى أي حد نجحت الشبكات الدولية في اختراق الحدود، وتحويل البحر الأبيض المتوسط إلى ممر لتجارة غير مشروعة؟ والأهم، هل ما تم إحباطه، هو سوى جزء صغير من نشاط أكبر، يجري في الخفاء؟




