إسرائيل تضرب فجراً، وإيران ترد مع شمس الصباح: الشرق الأوسط يقترب من الحافة

ضربة قلم
في ساعات الفجر الأولى، حين يغطّ العالم في نومه، اخترقت الصواريخ الإسرائيلية أجواء إيران مستهدفة مواقع عسكرية “حساسة”، وفق ما أعلنت مصادر عبرية. لم تمضِ ساعات حتى جاء الرد الإيراني، مركّزًا ومباشرًا، في رسالة واضحة مفادها أن زمن الضربات من طرف واحد قد ولّى.
هذا التصعيد، وإن بدا لحظيًا، لا يُقرأ خارج سياق التوترات الإقليمية المتراكمة، ولا يمكن فصله عن محاولات كل طرف فرض توازن جديد بالقوة. في هذا الصراع، لم يعد هناك ليلٌ آمن ولا فجرٌ بلا دويّ، فكل خطوة محسوبة، وكل صاروخ رسالة، وكل صمت مؤقت قد يكون هدنة ما قبل العاصفة.
منذ سنوات، دأبت إيران على تكرار عبارة أصبحت مع الوقت جزءًا من خطابها السياسي والإعلامي: “سنردّ في الزمان والمكان المناسبين”. لم تكن تلك الجملة مجرد شعارات جوفاء، بل كانت تعبيرًا عن عقيدة استراتيجية قائمة على “الصبر الاستراتيجي” و”تراكم الردود”. فإيران، التي لطالما تلقت ضربات مباشرة أو غير مباشرة — سواء عبر اغتيالات، أو هجمات سيبرانية، أو استهداف حلفائها في الإقليم — لم تكن لتبتلع الإهانات دون تحرك، بل كانت توثّق، تنتظر، وتخطّط.
واليوم، حين نقول إن إيران تردّ الصاع صاعين، فإننا لا نقف أمام مجرد ردّ عابر، بل أمام تحول نوعي في أسلوب الردّ الإيراني:
- في العراق وسوريا ولبنان واليمن، تحوّلت الفصائل المرتبطة بطهران من أدوات دفاع إلى أذرع هجومية ترسل الرسائل النارية في أكثر من اتجاه.
- في الخليج، تعيد إيران ترسيم خطوط الاشتباك غير المعلن من خلال مناورات عسكرية واستفزازات بحرية محسوبة.
- في إسرائيل، تجاوزت المعارك حدود الغموض، وبدأنا نرى للمرة الأولى منذ عقود اشتباكًا مكشوفًا، لا سيما في ظل الحرب على غزة ومشاركة فصائل محسوبة على إيران.
- على مستوى الطائرات المسيّرة والصواريخ، ترسل طهران إشارات واضحة أنها طوّرت تكنولوجيا الردّ، بحيث باتت تمتلك أدوات قادرة على الوصول إلى عمق الخصوم وإرباكهم دون أن تخوض حربًا مباشرة.
ولعل أبرز مظاهر هذا الردّ المضاعف يتمثل في:
- إعادة هيكلة ميزان الردع في المنطقة: فلم تعد الضربات تمرّ دون ردّ، بل أصبحت جزءًا من معادلة مكلفة لكل الأطراف.
- استخدام أدوات متعددة: من الهجمات السيبرانية، إلى الحرب بالوكالة، إلى الردّ المباشر عبر الحرس الثوري نفسه، كما جرى في بعض العمليات الانتقامية.
- رسائل مزدوجة إلى الغرب وإسرائيل: مفادها أن طهران قادرة على إحداث “وجع استراتيجي” متى شاءت، وأن زمن الاستفراد بها أو بحلفائها قد ولّى.
وهكذا، فإن القول بأن إيران تردّ الصاع صاعين ليس مجرد توصيف بل حقيقة تتكرّس كل يوم على الأرض، وتدفع الخصوم إلى إعادة حساباتهم، وتُدخل المنطقة في مرحلة جديدة من توازن الرعب، حيث لا يمكن تجاهل الصوت القادم من طهران، مهما اختلفنا أو اتفقنا معه.




