الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

دفاتر قضائية

إسكوبار الصحراء: التهم تتحول إلى رواية… والجريمة تبحث عن دليل

ضربة قلم

في قاعةٍ من تلك القاعات التي لا ينقصها سوى مخرج سينمائي بارع، لتحويلها إلى مسلسل رمضاني طويل، وقف المحامي المسعودي، لا ليدافع فقط، بل ليعيد كتابة الحكاية من جديد… حكاية قيل عنها كثيرًا، حتى كادت تتحول من ملف قضائي إلى أسطورة حضرية تُروى في المقاهي، أكثر مما تُناقش في المحاكم.

أمام غرفة الجنايات المختصة في جرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، لم يتحدث الرجل بنبرة من يبحث عن ثغرة، بل بنبرة من يقول: “أيها السادة، أنتم تبحثون عن جريمة… بينما الملف نفسه، لا يعترف حتى بوجودها.”

التزوير… جريمة تبحث عن وثيقة!

المسعودي، في مرافعته، لم يضيّع الوقت في الزخرفة اللغوية، بل دخل مباشرة إلى قلب التهمة: التزوير.
ثم طرح سؤالًا بسيطًا، لكنه ثقيل الظل على الملف:
أين هي الوثيقة المزورة؟

لأن التزوير، في نهاية المطاف، ليس قصيدة شعرية يمكن تأويلها، بل فعل مادي، يحتاج إلى دليل مادي. عقد، توقيع، محرر… شيء يمكن لمسه، لا مجرد “إحساس عام” بأن الأمور لا تسير كما يجب.

وبنبرة لا تخلو من سخرية مبطنة، اعتبر أن الحديث عن “تغيير الحقيقة” في غياب أي وثيقة مزورة، يشبه اتهام شخص بسرقة بنك… دون وجود بنك أصلاً.

ثم انتقل إلى الركن المعنوي، ذلك الكائن القانوني الغامض الذي لا يُرى بالعين، لكنه حاسم في مثل هذه القضايا: سوء النية.
وهنا أيضًا، الدفاع يقول: لا وجود له.
لا سوء نية، لا ضرر، ولا حتى قصة متماسكة، يمكن أن تُبنى عليها تهمة.

الفيلا التي أصبحت بطلة الرواية

لكن، كما في كل قصة جيدة، لا بد من “بطل درامي”.
وهنا، كانت الفيلا.

فيلا قيل إن ثمنها بلغ 33 مليون درهم، رقم كفيل بإثارة شهية العناوين الصحفية، قبل أن يثير شهية المحققين.
غير أن المسعودي تعامل مع هذا الرقم، كما يتعامل ناقد سينمائي مع فيلم مبالغ فيه: “القصة جميلة… لكنها لا تُقنع.”

وتساءل، بنبرة لا تخلو من تهكم:
كيف يمكن لشخص أن يشتري عقارًا من شخص… لا يملكه أصلاً؟

ثم بدأ في تفكيك “الرواية العقارية” قطعة قطعة:
الملكية كانت في الأصل لسامية، قبل أن تنتقل إلى المير بلقاسم، وهي معطيات – حسب الدفاع – لم تكن خافية حتى على المشتكي نفسه، بل وردت في تصريحات سابقة، من بينها ما جاء في محاضر الاستماع للفنانة لطيفة رأفت.

بمعنى آخر: نحن أمام صفقة يُفترض أنها حدثت… لكن أطرافها، وموضوعها، وحتى من يملكها، لا يتفقون على نسختها!

أما القيمة الحقيقية للعقار، وفق الوثائق الرسمية، فلا تتجاوز مليارًا و600 مليون سنتيم.
وهنا يصبح الرقم الأول (33 مليون درهم) أقرب إلى “تضخيم درامي” منه إلى معطى قانوني.

الاجتهاد القضائي يدخل على الخط

ولأن القانون ليس فقط نصوصًا، بل أيضًا تراكم من الاجتهادات، استدعت هيئة الدفاع، ترسانة من قرارات محكمة النقض، لتذكير المحكمة، بأن جرائم النصب والتزوير ليست مجرد انطباعات.

هي جرائم لها شروط دقيقة:
قصد جنائي واضح، نية احتيالية ثابتة، وضرر حقيقي.

وفي غياب هذه العناصر، يقول الدفاع، نحن لا نحاكم أفعالًا… بل نلاحق فرضيات.

بلغة أكثر مباشرة:
الملف، كما قُدم، لا يرتقي إلى مستوى الإدانة، لأنه – ببساطة – لم يصل بعد إلى مستوى الإثبات.

من “شبكة دولية” إلى شهادة يتيمة

وعندما وصل النقاش إلى تهمة الارتباط بشبكات الاتجار الدولي في المخدرات، بدا المشهد، وكأنه انتقل من فيلم قانوني إلى فيلم إثارة.

لكن المسعودي أعاد المشهد إلى الأرض، قائلاً إن كل هذه “الشبكة الدولية” تقف، في نهاية المطاف، على رجل واحدة:
تصريحات متهم آخر.

لا وثائق، لا تحويلات مشبوهة موثقة، لا قرائن قوية… فقط أقوال.

والأكثر إثارة، حسب الدفاع، أن هذا المتهم، لم يذكر اسم الناصيري لا في بداية التحقيق، ولا في مراحله اللاحقة، ولا حتى عبر سنوات.
فجأة، يظهر الاسم… كما تظهر الشخصيات الجديدة في الحلقات الأخيرة من المسلسلات.

وهنا يطرح السؤال نفسه:
هل نحن أمام تطور في التحقيق… أم تطور في الرواية؟

بل إن بعض الأسماء التي قُدمت كجزء من “الشبكة”، سبق أن حصلت على البراءة بأحكام نهائية، بما فيها من أعلى درجات التقاضي.
ما يجعل فكرة “الشبكة المنظمة” أقرب إلى خيط دخان، يتلاشى كلما حاولت الإمساك به.

الأموال… حين تتحول الأرقام إلى تهمة

أما تبييض الأموال، تلك التهمة التي أصبحت في زمننا مثل “البهارات” تُضاف إلى كل ملف ثقيل، فقد واجهها الدفاع بمنطق مختلف: الشرح بدل الإنكار.

الناصيري، حسب الدفاع، قدم تفاصيل حول كل حركة مالية في حساباته:
من أين جاءت الأموال، وإلى أين ذهبت.

بل أكثر من ذلك، تم تقديم أسماء أشخاص، يمكنهم توضيح هذه المعاملات… لكن، والمفارقة هنا، لم يتم الاستماع إليهم.

وهنا يصبح السؤال مشروعًا:
هل نبحث عن الحقيقة فعلًا… أم نكتفي بالنسخة التي تخدم الاتهام؟

رجل متعدد القبعات… وأموال متعددة المصادر

الدفاع لم يفوت الفرصة للتذكير، بأن موكله ليس شخصًا عادياً:
برلماني لثلاث ولايات، رئيس سابق لنادٍ رياضي كبير، ورئيس مجلس عمالة الدار البيضاء.

بمعنى آخر:
نحن أمام شخص، تتحرك في محيطه، أرقام كبيرة بشكل طبيعي، لا استثنائي.

فهل كل حركة مالية كبيرة تُعتبر شبهة؟
أم أن السياق المهني والسياسي يجب أن يُؤخذ بعين الاعتبار؟

بين المحكمة والرأي العام

في ختام الجلسة، قررت المحكمة تأجيل الملف إلى الخميس المقبل، لاستكمال الاستماع إلى مرافعات الدفاع.
قرار يبدو إجرائيًا، لكنه في الواقع يعكس شيئًا آخر:
ملف لم يقل كلمته الأخيرة بعد.

ملف يعيش في منطقة رمادية، بين ما يُقال في القاعة، وما يُتداول خارجها.
بين القانون، والرأي العام الذي يحب القصص الكبيرة… حتى لو كانت تفاصيلها أصغر مما تبدو.

الخلاصة… أو ما يشبهها

دفاع الناصيري يتمسك بشيء بسيط، لكنه ثقيل في ميزان العدالة:
قرينة البراءة.

ويقول، بلغة واضحة:
لا توجد أدلة قاطعة، لا وثائق حاسمة، لا شبكة مثبتة، ولا جريمة مكتملة الأركان.

فهل نحن أمام ملف كبير… أم أمام قصة كبرت أكثر مما ينبغي؟

ذلك ما ستجيب عنه المحكمة، لا العناوين، ولا المقاهي، ولا “التحليلات” التي تُكتب أسرع مما تُفهم.

ويبقى السؤال معلقًا، ككل الأسئلة المزعجة:
هل العدالة تبحث عن الحقيقة… أم عن رواية مقنعة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.