إصلاح التقاعد: بين وعود الدولة وغضب المتقاعدين

ضربة قلم
منذ فاتح ماي 2025، دخل الإصلاح الجديد لنظام التقاعد في المغرب حيّز التنفيذ، حاملاً معه جملة من الإجراءات التي وُصفت على أنها “إيجابية” في ظاهرها، لكنها سرعان ما تحولت إلى موضوع جدل واسع وسط المتقاعدين وذوي الحقوق.
الإصلاح الجديد نصّ على تخفيف شروط الحصول على تقاعد الشيخوخة، مما يتيح لعدد أكبر من المواطنين بلوغ هذا الحق دون تعقيدات سابقة، كما عمل على توسيع دائرة التغطية الاجتماعية لتشمل فئات كانت لعقود خارج المنظومة: عمّال موسميون، فلاحون صغار، وحتى بعض الحرفيين الذين لم يكونوا يتوفرون على أي ضمان اجتماعي. هذه الخطوة رُوّج لها رسميًا على أنها انتصار لـ”عدالة اجتماعية جديدة”.
لكن، في الجهة المقابلة، لم يُخفِ المتقاعدون القدامى امتعاضهم. فـ الشبكة المغربية لهيئات المتقاعدين بالمغرب (REMOR) اعتبرت أن الإصلاح لا يُعالج جوهر الأزمة، بل يزيدها تعقيدًا. فبينما تُفتح أبواب النظام لفئات جديدة، تبقى مطالب المتقاعدين القدامى عالقة دون جواب:
-
تحسين المعاشات الهزيلة التي لم تعد تكفي لتغطية أبسط تكاليف العيش.
-
مراجعة الاقتطاعات الجائرة التي طالت جيوب الموظفين في سنوات العمل دون أن تعكس مردوداً حقيقياً بعد التقاعد.
-
المساواة في الاستفادة من الحقوق الاجتماعية والصحية، حيث لا يزال التفاوت صارخًا بين متقاعدي القطاع العام والخاص.
ولعل ما يزيد الطين بلة، أن الشبكة لوّحت مرارًا ـ وما تزال ـ بـ خطوات احتجاجية تصعيدية، من وقفات ممركزة أمام البرلمان، إلى مسيرات وطنية قد تجعل من “يوم المسن العالمي” يوماً للاحتجاج بدل الاحتفال. رسائلها كانت واضحة: “لسنا مجرد عبء على الميزانية، نحن من صنعنا هذه الدولة، ومن حقنا أن نعيش بكرامة لا أن نموت في صمت”.
الدولة من جانبها تردّ بأن الإصلاح الحالي ليس سوى بداية لمسار طويل، وأنه يرمي إلى إنقاذ صناديق التقاعد من الإفلاس المحتمل. لكن المتقاعدين يطرحون السؤال المر:
لماذا يُطلب من الأجيال القديمة دفع ثمن سوء التدبير لعقود، بينما تُمنح الامتيازات لجيل جديد دون معالجة مشاكل من سبقوه؟
الواقع أن الإصلاح، رغم أهميته، جاء في ظرف اقتصادي صعب: تضخم ينهش القدرة الشرائية، تكاليف الصحة تتضاعف، وأسعار المواد الأساسية في ارتفاع مستمر. وهو ما جعل فئات واسعة ترى أن “الوعود الحكومية” أشبه بمسكنات لا تشفي المرض.
اليوم، يقف المغرب أمام معادلة دقيقة: كيف يحمي توازن صناديق التقاعد ويضمن استدامتها، دون أن يظلم مئات الآلاف من المتقاعدين الذين حوّلوا سنوات أعمارهم إلى خدمة الإدارة والمقاولة، ثم وجدوا أنفسهم في أرذل العمر يطالبون فقط بحد أدنى من الكرامة؟
الشبكة المغربية لهيئات المتقاعدين بالمغرب (REMOR) ما زالت تلوّح… والكرة في ملعب الحكومة. فإما أن تتحرك بإصلاحات أكثر عدلاً وإنصافًا، أو أن تتحمل تبعات غضب فئة لم يعد لديها ما تخسره.




