إصلاح التقاعد… حين يُطالب فاقدُ الرؤية الآخرين بالتضحية

ضربة قلم
كلما عاد ملف إصلاح صناديق التقاعد إلى الواجهة، إلا ورافقته النبرة نفسها: خطاب رسمي يدعو إلى “الاستعجال”، وتحذيرات تقنية من “الإفلاس الوشيك”، ثم دعوة مبطنة – أو صريحة – إلى تحميل الأجراء والمتقاعدين، كلفة الاختلالات المتراكمة. غير أن السؤال الجوهري الذي يتم تجاهله عمدًا هو: هل تملك الحكومة، في صيغتها الحالية، ما يؤهلها أخلاقيًا وسياسيًا لطلب تضحيات جديدة؟
من حيث المبدأ، لا يختلف اثنان، حول أن أنظمة التقاعد، تعيش ضغطًا حقيقيًا، بفعل التحولات الديمغرافية، وتراجع منسوب التشغيل المنظم. لكن الإشكال لا يكمن في تشخيص العطب، بل في من يُشخّص، وكيف، ولمصلحة من. فحكومة لم تنجح في ضبط الأسعار، ولا في حماية القدرة الشرائية، ولا في خلق فرص شغل كافية، تجد نفسها اليوم، في موقع من يطلب الثقة، من فئات أنهكها الغلاء وغياب الأفق.
هنا يستقيم القول: فاقد الشيء لا يعطيه.
فاقد العدالة الاجتماعية، لا يمكنه أن يقود إصلاحًا اجتماعيًا.
فاقد الحكامة، لا يمكنه أن يقنع المواطنين بضرورة شدّ الحزام.
وفاقد المصداقية، لا يملك رصيدًا، يفاوض به الأجراء والمتقاعدين.
فأي إصلاح يُطرح، في غياب مساءلة حقيقية، عن سنوات من التدبير المرتبك، يتحول تلقائيًا إلى عبء إضافي، بدل أن يكون حلًا. كيف يُطلب من موظف أو أجير أن يقبل برفع سن التقاعد، أو تقليص المعاش، في وقت لم تُفتح فيه ملفات الامتيازات، ولا تعدد أنظمة الريع، ولا الفوارق الصارخة بين معاشات “القمة” وفتات “القاعدة”؟
الأخطر من ذلك، أن الحكومة تتعامل مع ملف التقاعد، بمنطق محاسباتي بارد، وكأنه مجرد أرقام في جداول، متناسية أن الحديث هنا عن سنوات عمل، واستقرار عائلي، وكرامة إنسانية. فالتقاعد ليس منحة، بل حق راكمه المنخرطون عبر الاقتطاعات، جيلاً بعد جيل. وأي مساس به، دون تعاقد اجتماعي صريح، هو إخلال بثقة أساسية بين الدولة والمواطن.
ثم إن الحديث المتكرر عن “الإصلاح” يبدو انتقائيًا. فحين يتعلق الأمر بصناديق التقاعد، يُستدعى منطق الاستعجال. وحين يتعلق الأمر بإصلاحات تمس الحكامة، أو مراجعة منظومة الامتيازات، أو محاربة تضارب المصالح، يسود الصمت أو التسويف. وهو تناقض يُغذي شعورًا واسعًا بأن الإصلاح يُطلب دائمًا من الحلقة الأضعف.
أما سنة 2026 نفسها، التي جرى الترويج لها طيلة المرحلة السابقة باعتبارها موعدًا مفصليًا لإصلاح منظومة التقاعد، فقد حلّت دون أن تحمل معها الحسم الموعود. إذ ما يزال الغموض يلف الرؤية العامة، ويطغى غياب تصور متكامل مصحوب بحوار اجتماعي فعلي، وهو ما يجعل الحديث عن إصلاح شامل، أقرب إلى تدبير للانتظار منه إلى مشروع دولة واضح المعالم. والحال أن الملفات الكبرى لا تُدار بالترقيع، ولا بتأجيل القرارات الصعبة، بل بالجرأة السياسية والوضوح مع الرأي العام.
في النهاية، لا أحد يرفض الإصلاح لذاته، لكن ما يُرفض هو أن يُقدَّم الإصلاح باعتباره قدرًا محتومًا على فئة واحدة، بينما تظل فئات أخرى خارج الحساب. وما يُرفض أكثر، أن تقود الإصلاح حكومة لم تُقنع بعد، بأنها أصلحت ما بيدها قبل أن تمد يدها إلى جيوب الآخرين.
فالتقاعد ليس مجرد ملف تقني…
إنه مرآة لعدالة الدولة، واختبار لصدق الحكومات،
ومن لا يملك عدلًا ولا ثقة، لا يملك حق المطالبة بالتضحية.




