إعفاء الواليين فريد شوراق ومعاذ الجامعي: حين أطاحت “كبش العيد” برأسي ولايتين

ضربة قلم
في خطوة فجائية، أثارت الكثير من الجدل والتأويلات، تم إعفاء والي جهة مراكش–آسفي فريد شوراق، ووالي جهة فاس–مكناس معاذ الجامعي من مهامهما، وذلك مباشرة بعد عيد الأضحى. هذا الإعفاء لم يكن مرتبطًا بتقارير تقييم الأداء أو ملفات فساد، بل جاء في سياق رمزي وديني عميق: “نحر أضحية العيد”، الذي يبدو أنه شكّل القشة التي قصمت ظهر الثقة الملكية في الرجلين.
السياق الملكي: حين ذبح الملك عن شعبه
قبيل عيد الأضحى لسنة 2025، وفي ظل وضعية مقلقة للقطيع الوطني بسبب الجفاف والأمراض والندرة، دعا الملك محمد السادس المغاربة إلى عدم نحر الأضاحي، مفضلًا أن “يذبح الأضحية نيابة عن شعبه”، في إشارة رمزية تمزج بين البعد الديني والإنساني، وبين التوجيه الاجتماعي ومراعاة الحالة الاقتصادية الهشة التي يعيشها الملايين. الرسالة الملكية لم تكن مجرد توجيه، بل كانت موقفًا أخلاقيًا وسياسيًا، يراد له أن يترجم ميدانيًا باحترام صريح من المسؤولين قبل المواطنين.
الوالي فريد شوراق: تناقض صارخ
منذ تعيينه واليًا على جهة مراكش–آسفي، اكتسب فريد شوراق سمعة المسؤول الصارم، الذي لا يتهاون مع الفساد والفوضى. أطلق حملات تطهير في دواليب الإدارة، وأعفى مسؤولين محليين وأعوان سلطة، وقاد جهودًا مكثفة لتحرير الملك العمومي. عشية العيد، عقد اجتماعًا مع المسؤولين المحليين شدد فيه على ضرورة الالتزام بالتوجيه الملكي، وحرص على إغلاق المجازر والأسواق المخصصة لبيع الأكباش.
لكن صبيحة يوم العيد، ظهر شوراق وهو يشرف على ذبح الأضحية في أحد المصليات أو الساحات العامة، وسط حضور رسمي وشبه احتفالي. هذا المشهد، الذي انتشر بسرعة على مواقع التواصل، بدا وكأنه تحدٍّ صريح أو على الأقل استهانة بالتعليمات الملكية. كيف يعقل أن يمنع السكان من الذبح ثم يقوم هو بالفعل نفسه؟ كيف يتحول والي يُفترض أن يكون في طليعة الملتزمين إلى أوّل من يكسر القاعدة؟
معاذ الجامعي: بين التقاليد والتقدير الخاطئ
أما معاذ الجامعي، الذي انتقل حديثًا من ولاية الشرق إلى فاس–مكناس، فقد حاول في ولايته الجديدة كسب ودّ الساكنة بتقريب الإدارة وتحسين الخدمات، لكنه لم ينجح في كسب الزمن السياسي. الجامعي ظهر هو الآخر يوم العيد وهو يشارك في طقوس الذبح، ما بدا ـ في نظر المتتبعين ـ تجاهلًا للرسالة الملكية في جوهرها الرمزي والسياسي.
بعيدًا عن النيّة، فإن ظهوره وهو ينحر الأضحية في يومٍ كان يُفترض أن يكون خاليًا من الدم، جسّد خرقًا فادحًا لتوجه الدولة، أو على الأقل قصورًا في فهم الإشارات الكبرى التي يرسلها رأس الدولة إلى ممثليه في الميدان.
دلالات القرار الملكي
إعفاء الرجلين لم يكن مجرّد قرار إداري، بل رسالة بليغة. الرسالة مفادها أن السلطة، في المغرب اليوم، لا تتسامح مع الرمزية. فالمسؤول، خصوصًا من هو في موقع تمثيلي كبير كالوالي، لا يُطلب منه فقط تطبيق القانون، بل أن يكون هو أول من يجسده، خصوصًا حين يتحوّل القانون إلى قيمة، والتوجيه إلى ضمير سياسي وأخلاقي.
في دولة تُدار إلى حد بعيد بمنطق الرمزية، تصبح مخالفة التوجيهات الكبرى، حتى وإن بدت بسيطة أو ذات طابع شخصي، بمثابة كسر لقواعد الثقة. فالملك، حين يقرر أن يذبح عن شعبه، فإنما يؤسس لشرعية رمزية تقوم على التضامن والقدوة، ولا يُنتظر من وُكلائه أن يتصرفوا وكأنهم في ممالك صغيرة موازية.
ما وراء الكبش: أكثر من خطأ بروتوكولي
قد يبدو للوهلة الأولى أن المسألة مجرد “خطيئة دينية”، أو سوء تقدير لبروتوكول رسمي. لكن الحقيقة أعمق من ذلك. إعفاء شوراق والجامعي هو أول درس إداري بعد العيد، ويعني أن المغرب دخل مرحلة جديدة: مرحلة يعتبر فيها الخروج عن الخط الملكي في لحظة وطنية حساسة، حتى إن كان بسيطًا في ظاهره، سببًا كافيًا لإسقاط أسماء كبيرة من مواقعها.
إنها رسالة إلى كافة المسؤولين: ليس الأداء التنموي وحده هو الميزان، بل الحس الرمزي، والفهم العميق لمزاج الدولة، والقدرة على الانضباط لا بالشكل فقط، بل بالجوهر أيضًا.
نهاية مفتوحة
في النهاية، لم يُعفَ شوراق والجامعي بسبب فساد مالي، أو فشل تنموي واضح، بل بسبب خطأ في التقدير السياسي والرمزي. وهو ما قد يكون، في حساب الدولة، أشد خطرًا من الفشل نفسه. ومثلما أطاحت كبش الأضحى بهابيل في قصة قديمة، فقد أطاحت “أضحية سياسية” باثنين من أعلى ممثلي السلطة الترابية في المغرب.
ويبقى السؤال:
من القادم؟ ومن يتعلّم الدرس؟




