إلى المدير العام لبريد المغرب: لماذا يُستثنى موظفو البريد بالصحراء من التمديد رغم وجود مقتضيات يستفيد منها آخرون؟

ضربة قلم
في الوقت الذي أصبحت فيه سياسة التمديد بعد بلوغ سن التقاعد، أمراً معمولاً به في العديد من القطاعات العمومية وشبه العمومية بالمغرب، خاصة بالنسبة للموظفين العاملين بالأقاليم الجنوبية للمملكة، يطفو إلى السطح سؤال يطرحه العديد من العاملين والمتتبعين لقطاع البريد: لماذا يبقى موظفو بريد المغرب الاستثناء الوحيد تقريباً من هذه القاعدة؟
معلوم أن الدولة المغربية اعتمدت منذ سنوات مجموعة من التدابير والتحفيزات الرامية إلى تشجيع الاستقرار المهني والإداري بالأقاليم الصحراوية، بالنظر إلى خصوصية المنطقة، وما تتطلبه من موارد بشرية، ذات تجربة وكفاءة قادرة على ضمان استمرارية المرافق والخدمات العمومية. ومن بين هذه التدابير إمكانية الاستفادة من التمديد بعد سن التقاعد بالنسبة لعدد كبير من الفئات العاملة بهذه الأقاليم.
غير أن العاملين بقطاع بريد المغرب يتساءلون عن الأسباب التي تجعل هذه الفئة، خارج دائرة الاستفادة من هذا الإجراء، رغم أنها تؤدي مهامها داخل الأقاليم الجنوبية نفسها، وتخضع للظروف المهنية والاجتماعية ذاتها، التي يعيشها العاملون في قطاعات أخرى.
إن الحديث هنا لا يتعلق بامتياز إضافي أو مطلب فئوي ضيق، بقدر ما يتعلق بمبدأ المساواة بين العاملين في المؤسسات العمومية وشبه العمومية. فإذا كانت الغاية من التمديد هي الحفاظ على الخبرات والكفاءات وتشجيع الاستقرار بالأقاليم الجنوبية، فإن موظفي بريد المغرب (بريد بنك) لا يقلون خبرة أو كفاءة عن غيرهم من موظفي القطاعات الأخرى.
بل إن العديد منهم أفنى عقوداً من عمره في خدمة المواطنين، وساهم في تطوير الخدمات البريدية والمالية، وواكب التحولات الكبرى التي شهدها القطاع، من الخدمات البريدية التقليدية إلى الخدمات الرقمية والمالية الحديثة.
كما أن هؤلاء المستخدمين كانوا وما زالوا يشكلون حلقة أساسية في تقريب الخدمات من المواطنين، سواء داخل المدن أو بالمناطق البعيدة والنائية، حيث ظلوا يؤدون مهامهم، بكل التزام ومسؤولية رغم التحديات والإكراهات المرتبطة بطبيعة العمل.
والأمر لا يقتصر فقط على الجانب المهني، بل يمتد إلى الجانب الاجتماعي والإنساني. فالكثير من الموظفين، يكونون قد استقروا نهائياً بالأقاليم الجنوبية، وربطوا علاقات اجتماعية وأسرية ومهنية بالمنطقة، وأصبحوا جزءاً من نسيجها البشري والاقتصادي. وبالتالي، فإن إنهاء المسار المهني بشكل مفاجئ دون الاستفادة من إمكانية التمديد المتاحة لقطاعات أخرى يثير لديهم شعوراً بالحيف وعدم المساواة.
ثم إن الحفاظ على الكفاءات، داخل أي مؤسسة يعد استثماراً في حد ذاته. فسنوات الخبرة لا يمكن تعويضها بسهولة، والتجربة المتراكمة التي يمتلكها الموظفون القدامى، تشكل رصيداً مهماً للمؤسسة وللأجيال الجديدة من المستخدمين الذين يحتاجون إلى التأطير والمواكبة ونقل المعرفة.
ومن هذا المنطلق، فإن إعادة فتح النقاش حول وضعية موظفي بريد المغرب بالأقاليم الصحراوية، تبدو اليوم ضرورة أكثر منها مطلباً ظرفياً. فالمطلوب ليس اتخاذ قرارات متسرعة أو منح امتيازات خارج القانون، وإنما العمل على احترام المقتضيات القانونية والتنظيمية المعمول بها، وضمان استفادة جميع الفئات المعنية من الحقوق التي تقرها النصوص الرسمية، دون تمييز أو استثناء.
ويذهب عدد من المتتبعين والمهتمين بالملف إلى التساؤل حول أسباب عدم تفعيل بعض المقتضيات الواردة في النصوص التنظيمية والمنشورة بالجريدة الرسمية على موظفي بريد المغرب بالأقاليم الجنوبية، بالشكل الذي تستفيد منه فئات أخرى في قطاعات ومؤسسات مختلفة. وهو تساؤل مشروع يستحق التوضيح من طرف الإدارة العامة، حرصاً على الشفافية وتكافؤ الفرص بين جميع المستخدمين.
إن موظفي بريد المغرب الذين قضوا سنوات طويلة في خدمة الوطن والمواطنين، يستحقون على الأقل أن تُناقش وتنفذ مطالبهم بجدية، وأن يتم توضيح الأسس التي يعتمد عليها هذا التوجه، بما يضمن الإحساس بالإنصاف والعدالة المهنية داخل المؤسسة.
فالمساواة لا تتجزأ، والإنصاف لا ينبغي أن يكون انتقائياً، والكفاءة لا ترتبط باسم قطاع دون آخر.
لذلك فإن الرسالة الموجهة اليوم، إلى المدير العام لبريد المغرب، ليست رسالة احتجاج بقدر ما هي دعوة إلى فتح حوار هادئ ومسؤول حول هذا الملف وتطبيق مطالب يخولها القانون، والاستماع إلى انشغالات فئة من المستخدمين، ترى أنها تستحق المعاملة نفسها التي تستفيد منها فئات أخرى في قطاعات مماثلة.
فالعدالة المهنية ليست امتيازاً، بل حقاً معنوياً يشعر الموظف من خلاله بأن سنوات عطائه وتضحياته وتفانيه في العمل لم تذهب سدى، وأن المؤسسة التي خدمها لعقود طويلة ما زالت تنظر إليه بعين التقدير والإنصاف.
ويبقى الأمل معقوداً على الإدارة العامة لبريد المغرب، من أجل تقديم التوضيحات اللازمة بشأن هذا الملف، والعمل على معالجة كل ما من شأنه أن يرسخ الثقة ويعزز الشعور بالمساواة بين مختلف المستخدمين، خاصة أن المؤسسة، كانت دائماً حريصة على تثمين مواردها البشرية والاعتراف بالدور الذي تقوم به في خدمة المواطن والمرفق العام.




