الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

اقتصادمجتمع

إلى المغاربة: حين يقوم أخنوش وأصحابه بدهس القدرة الشرائية

ضربة قلم

في هذا البلد العجيب، الذي يستطيع فيه المواطن أن يضحك، وهو يتلقى الصفعات الاقتصادية تباعًا، لا شيء يثير الدهشة أكثر من الطريقة التي تُدار بها قضية المحروقات. فبين ليلة وضحاها، يستيقظ المغاربة على خبر بسيط في ظاهره، ثقيل في أثره: زيادة درهمين دفعة واحدة في سعر اللتر. درهمان فقط… لكنها بالنسبة لجيوب أنهكتها الفواتير، تشبه حجراً صغيراً، يُلقى في بحيرة راكدة، فيصنع موجات لا تنتهي.

والطريف في الأمر أن هذه الزيادة، تأتي في زمن يقال فيه إن السوق الدولية، تعرف اضطرابات، وأن الجغرافيا السياسية، أصبحت تتحكم في الأسعار، أكثر مما تتحكم فيها قوانين العرض والطلب. لكن حين يمعن المرء قليلاً في التفاصيل، يكتشف أن القصة أكثر تعقيداً، بل وأكثر إثارة للأسئلة.

في الواجهة يقف رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، الرجل الذي جاء إلى السياسة من عالم المحروقات نفسه، وكأن القدر أراد أن يضع مفاتيح البنزين، في يد من يعرف جيداً، كيف تُحسب الأرباح في هذا القطاع. وهنا تبدأ الحكاية التي يتداولها المغاربة في المقاهي، وفي سيارات الأجرة، وفي طوابير محطات الوقود: من أين يأتي هذا البنزين أصلاً؟ ولماذا ترتفع أسعاره بهذه السرعة؟

الطريق الطويل للبترول

المغرب، كما هو معروف، لا ينتج النفط بكميات تُذكر، ولذلك يعتمد أساساً على الاستيراد. لكن المفارقة التي يرددها بعض المتخصصين في القطاع، هي أن المحروقات التي تصل إلى السوق المغربية، يأتي في نهاية المطاف من النفط الروسي، أي من روسيا.

بعبارة أخرى، النفط قد يغادر الموانئ الروسية، إلى خزانات السفن التي ترسو لاحقاً في الموانئ المغربية. رحلة معقدة تجعل من الصعب على المواطن العادي، أن يفهم كيف يُحدد السعر النهائي الذي يدفعه عند المضخة.

والأمر ليس مجرد تحليل نظري، بل تؤكده أرقام سوق الطاقة نفسها. فبحسب بيانات منصات تتبع تجارة النفط، أصبح المغرب خلال السنوات الأخيرة، من بين أبرز مستوردي الديزل القادم من روسيا، حيث تجاوزت الواردات منذ بداية سنة 2025 أكثر من مليون طن من هذه المشتقات، أي ما يقارب ربع احتياجات البلاد من الديزل خلال تلك الفترة. كما سجلت بعض الأشهر وصول شحنات قاربت 188 ألف طن في شهر واحد فقط، ما يوضح أن جزءاً مهماً من الوقود الذي يصل إلى السوق المغربية، يمر فعلاً عبر هذا المسار البحري الطويل.

غير أن الرحلة لا تكون دائماً مباشرة من الميناء الروسي إلى الميناء المغربي، بل تمر في كثير من الأحيان عبر وسطاء وموانئ أخرى في البحر المتوسط أو أوروبا حيث يعاد بيع الشحنات أو إعادة شحنها، قبل أن تصل في النهاية إلى خزانات التخزين في الموانئ المغربية. وهنا تبدأ سلسلة جديدة من الحسابات: تكاليف النقل، التخزين، التأمين، والوساطة التجارية… وهي تفاصيل تجعل السعر النهائي الذي يدفعه المواطن عند المضخة، يبدو وكأنه نتيجة معادلة معقدة لا يراها أحد بشكل كامل.

لعبة المضائق والأنابيب

في هذا السياق الدولي المضطرب، يبرز اسم ممر بحري بالغ الأهمية: مضيق هرمز. هذا المضيق الصغير نسبياً في حجمه، الكبير في تأثيره، تمر عبره نسبة ضخمة من صادرات النفط في العالم.

ووفق تحليل أحد الخبراء في الطاقة، فإن التوترات الإقليمية الأخيرة، جعلت الوضع أكثر حساسية. فـ إيران، بحسب هذا التحليل، لم تغلق المضيق بالكامل، لكنها شددت القيود على بعض السفن، خصوصاً تلك المتجهة نحو الولايات المتحدة وحلفائها. خطوة كهذه، حتى وإن كانت جزئية، تكفي لزرع القلق في أسواق النفط العالمية.

لكن القصة لا تقف هنا. فلو توسعت هذه القيود لتشمل نفط العراق مثلاً، فإن الأزمة قد تصبح أكثر حدة. فهناك نوعان رئيسيان من النفط العراقي:

  • نفط الجنوب، القادم من مدينة البصرة، والذي تمر كميات كبيرة منه، عبر مضيق هرمز.

  • ونفط الشمال، القادم من منطقة كركوك، الذي يُنقل عبر الأنابيب نحو تركيا، ثم إلى الأسواق الدولية.

أي اضطراب في هذه الطرق، يعني ببساطة أن السوق العالمي، ستدخل في مرحلة توتر جديدة، وهو ما ينعكس فوراً على الأسعار.

السعودية أيضاً ليست خارج اللعبة

حتى النفط القادم من السعودية، يسلك أكثر من طريق. جزء منه يمر عبر مضيق هرمز، بينما جزء آخر يسلك طريق البحر الأحمر عبر ميناء ينبع. وهذا التنوع في المسارات يهدف أساساً، إلى تقليل المخاطر الجيوسياسية.

لكن رغم ذلك، فإن أي توتر في المنطقة، يخلق حالة نفسية في السوق، فيرتفع السعر أحياناً، قبل أن يقع الحدث نفسه.

السؤال المغربي الكبير

لكن وسط كل هذه المعطيات الدولية، يبقى السؤال الذي يطرحه المواطن المغربي بسيطاً ومباشراً: لماذا ترتفع الأسعار عندنا بسرعة الصاروخ، بينما تنخفض ببطء السلحفاة؟

هنا يبتسم الخبراء ابتسامة طويلة، ويقولون إن السوق المغربية، بعد تحرير أسعار المحروقات، أصبحت مفتوحة بالكامل أمام الشركات. أي أن السعر النهائي لا تحدده الدولة بشكل مباشر، بل تحدده حسابات الربح والمنافسة… أو غياب المنافسة أحياناً.

والنتيجة أن المواطن المغربي يجد نفسه في موقع المتفرج على مسرحية اقتصادية معقدة:
مضيق هنا، وأنبوب هناك، وناقلة نفط تتأخر، وتصريح سياسي في واشنطن أو طهران… ثم في النهاية تصل الفاتورة إلى جيبه هو.

إذا كان نفطنا لا يمر من هرمز… فلماذا ترتفع الأسعار؟

إذن، مادام النفط الروسي الذي يصل إلى السوق المغربية، لا يمر أصلاً عبر مضيق هرمز، بل يغادر موانئ روسيا عبر البحر الأسود أو بحر البلطيق، ثم يعبر نحو البحر المتوسط، قبل أن يصل إلى موانئ شمال أفريقيا، فإن السؤال الذي يطرحه المغاربة ببساطة، يكاد يكون بديهياً: ما علاقة التوتر في هرمز بالزيادة الصاروخية في أسعار المحروقات داخل المغرب؟ فإذا كانت الطريق التي يسلكها النفط الذي نستعمله بعيدة أصلاً عن منطقة التوتر، وإذا كان سعر البرميل في الأسواق الدولية، لم يسجل قفزات تبرر هذه الزيادة المفاجئة، فكيف تحولت المضخة في المغرب إلى المكان الوحيد الذي يشعر فيه المواطن، بأن العالم كله يعيش أزمة طاقة؟ هنا يبرز السؤال الذي يتردد في الشارع: هل يتعلق الأمر فعلاً بتقلبات السوق الدولية، أم أن الأمر مرتبط بحسابات داخلية لشركات التوزيع التي تعمل في سوق محررة منذ سنوات، حيث أصبحت الأسعار، تتحرك أحياناً أسرع من تفسيرها، بينما يبقى المواطن آخر من يعرف كيف تُحتسب الفاتورة التي يؤديها في النهاية.

الواقع أن الاقتصاد المغربي، مثل كثير من الاقتصادات المستوردة للطاقة، يبقى هشاً أمام تقلبات السوق الدولية. لكن المشكلة التي يتحدث عنها كثيرون، ليست في ارتفاع الأسعار وحده، بل في الشعور بأن المواطن هو الحلقة الأضعف دائماً.

فعندما ترتفع الأسعار عالمياً، ترتفع عندنا فوراً.
وعندما تنخفض… يبدأ البحث عن مبررات.

مرة يُقال إن المخزون القديم، يجب أن يُستهلك أولاً.
ومرة يُقال إن تكاليف النقل ارتفعت.
ومرة يُقال، إن السوق لم تستقر بعد.

وفي كل مرة، يكتشف المغاربة، أنهم أصبحوا خبراء في الجغرافيا السياسية للنفط دون أن يقصدوا ذلك.

النهاية التي يعرفها الجميع

في النهاية، قد تختلف التحليلات، وقد تتعدد التفسيرات، لكن شيئاً واحداً، لا يختلف حوله المغاربة: القدرة الشرائية أصبحت مثل علبة صفيح تحت عجلات شاحنة ثقيلة.

والسؤال الذي يتردد في الشارع ليس اقتصادياً بقدر ما هو بسيط جداً:

هل فعلاً ترتفع الأسعار لأن العالم مضطرب…
أم لأن أحداً ما اكتشف، أن جيب المواطن المغربي، يتحمل الصدمات أكثر مما ينبغي؟

سؤال نترك جوابه لكم… حتى لا يُقال إننا نقذف أحداً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.