
م-ص
كنت أجلس وحيدًا في المقهى، أبحث عن لحظة هدوء، فإذا بصوت مرتفع، يفرض نفسه عليّ دون استئذان. رجل يتحدث إلى مرافقه بحماس زائد، وكأن المقهى، تحول إلى منصة خطاب. لم يكن النقاش عابرًا، بل مشحونًا بالانفعال والافتراضات الخطيرة. قال دون تردد: تخيّل لو أن الجمهور المغربي ردّ على استفزازات الجمهور السنغالي، ولو واجههم، كما واجهوا هم القوات الأمنية المغربية، ماذا كان سيقع؟ ثم أطلق جملة ثقيلة الوطء، تحمل في طياتها سيناريو دمويًا مفزعًا، وكأن العنف يصبح فجأة مادة للتخيل، أو أداة لتفريغ الغضب.
ذلك الحديث، رغم أنه قيل على طاولة مقهى، يفتح بابًا واسعًا للأسئلة الحقيقية، التي يجب أن تُطرح بعيدًا عن الانفعال، وبمنطق العقل لا منطق الغريزة. فالمغرب، دولة وجمهورًا، اختار دائمًا ضبط النفس، ليس ضعفًا، بل وعيًا بخطورة الانزلاق إلى منطق الحشود الغاضبة، حيث يصبح الجميع خاسرًا، وتسقط القيم قبل الأجساد.
لكن، في المقابل، يظل السؤال المؤلم حاضرًا بإلحاح: ما الذنب الذي ارتكبته الجالية المغربية في دكار؟ بأي منطق تُبرَّر أعمال الشغب التي استهدفت ممتلكات مغاربة، لا علاقة لهم لا بمباراة ولا بضربة جزاء مشروعة؟ كيف يمكن تبرير ترويع أسر، أو الاعتداء على محلات، أو تهديد أرزاق أناس وجدوا أنفسهم فجأة، رهائن لغضب جماعي أعمى؟
ثم ماذا عن الطلبة المغاربة هناك؟ أولئك الذين اختاروا السنغال بلدًا لمتابعة دراستهم العليا، بحثًا عن العلم لا عن الصدام، عن المستقبل لا عن الفوضى. بأي ذنب يتحول الطالب إلى هدف؟ وبأي منطق يُعاقَب شاب، أو شابة فقط، لأن مباراة كرة قدم انتهت، بما لم يرضِ جمهورًا ما؟ هذه أسئلة لا يمكن الهروب منها بالصراخ أو بالتبرير العاطفي.
والسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه، ولو تمّ تجاهله عمدًا: ماذا لو كانت الأدوار معكوسة؟ ماذا لو كان الجمهور المغربي هو الأقل عددًا، مجرد فئة محدودة وسط آلاف من المشجعين السنغاليين؟ في مثل هذا السيناريو، كان من الممكن أن تقع أحداث لم تكن في الحسبان. غير أن التجربة والواقع يؤكدان أن المغرب، دولة ومجتمعًا، لا يقيس الأمور بمنطق العدد، بل بمنطق المسؤولية. فحماية الضيوف مبدأ راسخ، وعدم السماح بالاعتداء أو الفوضى سلوك ثابت، حتى في أقسى لحظات التوتر والانفعال.
إن كرة القدم، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تتحول إلى مبرر للعنف الجماعي، ولا إلى ذريعة لتصفية حسابات نفسية أو تاريخية. وما يقع بعد المباريات، لا يقل أهمية، عما يقع داخل الملعب، لأن صورة الشعوب تُبنى هناك: في الشارع، في طريقة الغضب، وفي كيفية احترام الآخر، ساعة الخسارة قبل لحظة الفرح.
ما سمعته في ذلك المقهى، لم يكن مجرد حديث عابر، بل مرآة لحالة احتقان عامة، تحتاج إلى تفكيك هادئ ومسؤول. نحتاج إلى خطاب يعترف بالغضب، لكنه لا يشرعنه، يفهم الاستفزاز، لكنه لا يبرره، ويدافع عن الكرامة، دون أن يستدعي شبح الفوضى. لأن أخطر ما يمكن أن نخسره، في مثل هذه اللحظات، ليس مباراة ولا كأسًا، بل إنسانيتنا وقدرتنا على التمييز بين الحق والاندفاع الأعمى.




