إمام وأستاذ ووكيل سياحة… ثلاثي النصب الذي باع حلم الحج والهجرة للمغاربة

ضربة قلم
حين تتحول أبواب السماء إلى شبابيك نصب، ويتحول الإمام من دليل إلى الله، إلى دليل نحو الوهم… ويا ليت الوهم بالمجّان، بل مدفوع الأجر، وبالعملة الصعبة: دموع الأمهات، وحُلم شباب لا يملك من الدنيا سوى جواز سفر مغبر وصورة سيلفي في انتظار الفيزا.
ها هي الفرقة الجهوية للشرطة القضائية بورزازات، تسل سيفها من غمده، وتمضي في رحلة التفكيك، لا تفكيك القنابل بل الشبكات، وإن كانت هذه الأخيرة أكثر فتكا، لأنها لا تنفجر مرة واحدة بل على دفعات: عند شباك وكالة السياحة، ثم عند طاولة الإمام، ثم في بيت الأسرة المغبونة التي رهنت دارها لتدفع تكاليف “العبور إلى الجنة”… فإذا بها تُقذف إلى جحيم النصب.
وتقول الرواية الرسمية، وهي بالمناسبة أغرب من الخيال، إن من بين الموقوفين إمام مسجد من طنجة، جعل من الوعظ وسيلة عبور، لا إلى الآخرة، بل إلى حساب بنكي ممتلئ. فمن قال إن الدنيا لا تغني؟ فقط يحتاج الأمر إلى عباءة، وسبحة، ولسان حلو ينقط “الثقة” المغشوشة. ما بين خطبة الجمعة ولقاء الوساطة، تتنزل البركة -لا من السماء- بل من جيوب الضحايا.
هذا الإمام لم يكن مجرد “فقيها” عاديا، بل كان الوسيط الذهبي لصاحب وكالة سياحية في سلا، والذهب هنا ليس مجازا. فقد توسط لأكثر من 20 شخصا، وكل ضحية تساوي ألف درهم × مئة… والنتيجة؟ خزينة عامرة، وضمير غائب بإذن مسبق.
أما رفيقه الآخر، الذي جاء من مراكش، فقد تفوق عدديا -يا للغرابة- وبلغ عدد ضحاياه 21. لا بد أنه كان يعمل بمنطق “سير على الله والربح مضمون”، وربما كان يملك برنامج Excel مفصل، فيه لائحة الضحايا مرتبة حسب الاسم، والرقم الوطني، ونوع الخدعة: عمرة، حج، عقد فلاحي، أو مجرد “باب الهربة”.
وقبل هؤلاء، تم اعتقال الأستاذ الذي قرر أن يضيف لمهنته الشريفة بعض “اللمسات الحريرية”، لا بالطباشير، بل بالحسابات البنكية. ألم يقلوا “العلم نور”؟ لكن في حالتنا، كان العلم وسيلة للإضاءة على الطريق نحو الضياع.
أما صاحب وكالة السياحة، فهو الرأس المدبر، الذي لا يبيع تذاكر سفر فقط، بل يبيع حُلم، والناس بطبعهم يحبون الحُلم. يُوهمهم أن الدنيا هناك في كندا أو الخليج تنتظرهم، وأن التأشيرات تأتي عبر العلاقات، و”مجاملة الحج” ممكنة، حتى لو لم يكن بينه وبين السفارات إلا موظف استقباله في الوكالة.
الضحايا؟ أكثر من عشرة، وهذا فقط من تقدموا بالشكاوى. أما البقية، فهم على الأرجح يتوضؤون بالخذلان، ويخشون من فضيحة اجتماعية قد تلحق بفضيحة النصب. بعضهم باع ذهب الزوجة، وبعضهم اقترض من القريب والبعيد، وآخرون سافروا حتى طنجة أو سلا أو مراكش فقط ليرجعوا بلا تأشيرة ولا كرامة.
ولأن المغرب بلد المفارقات، فها هي تنغير -المدينة المسكينة- تتحول إلى مسرح تتكرر فيه الحكاية: الحُلم بالهجرة أو الحج يقابله مافيا من الداخل، من أبناء البلد، من أناس يفترض فيهم الثقة، لا السطو على الطموح.
وتستمر التحقيقات… ولكن لا أحد يحقق في السؤال الحقيقي: كيف وصلنا إلى هذه الحالة؟ كيف صرنا نُلدغ من ذات الجحر ألف مرة؟ هل لأن الثقة عمياء؟ أم لأن الفقر أعمى؟ أم لأن “الحاجة” أصبحت أكبر من المنطق؟
وما يدعو للسخرية فعلا هو أن هؤلاء النصابين، في سجونهم الجديدة، قد يجدون في “الوسطاء” آخرين، هذه المرة لتخفيف العقوبات أو ترتيب المحامين. فالوساطة في المغرب لا تموت، بل تتناسل مثل الخراف، وكل واحد يعرف واحدا، يعرف الآخر، يعرف ابن خال مسؤول كبير…
باختصار، إنها شبكة… لا تحتاج إلى واي فاي، بل إلى “قلة ضمير” واتصال مباشر بالغباء الجماعي. وعندنا الإثنان، وبالجملة.
هل تظن أن التحقيقات ستقود إلى “الرأس الكبير”؟ لا تكن ساذجا… في المغرب، كل خيط ينتهي غالبا في إصبع مقطوع.




