إنجلترا والأرجنتين.. التاريخ يدخل الملعب، لكن الحاضر وحده يكتب النتيجة

ضربة قلم
بعد أن حجز المنتخب الإسباني، بطاقة العبور إلى النهائي إثر انتصار مستحق على فرنسا، في مباراة فرض خلالها “لاروخا” أسلوبه وسيطر على مجريات اللعب بنسبة استحواذ كبيرة، تتجه أنظار عشاق كرة القدم، مساء اليوم، إلى المواجهة الثانية من المربع الذهبي، والتي ستجمع المنتخب الإنجليزي بنظيره الأرجنتيني، في لقاء يعد من أكثر المباريات إثارة، ليس فقط بسبب قيمة المنتخبين، بل لما يحمله تاريخ المواجهات بينهما من تنافس، وندية، وذكريات لا تزال حاضرة في ذاكرة كرة القدم العالمية.
فعندما يلتقي المنتخبان، لا تكون المباراة مجرد تسعين دقيقة من الركض خلف الكرة، بل تتحول إلى فصل جديد من قصة طويلة، بدأت منذ عقود، وتداخلت فيها الإنجازات الرياضية مع الخلفيات التاريخية، حتى أصبح كل لقاء بين “الأسود الثلاثة” و”التانغو” حدثا ينتظره العالم بشغف.
وعلى الورق، تبدو الأرجنتين صاحبة الأفضلية التاريخية من حيث عدد الألقاب، بعدما توجت بكأس العالم ثلاث مرات، سنوات 1978 و1986 و2022، بينما لا تزال إنجلترا تحتفظ بلقبها الوحيد الذي أحرزته سنة 1966 على أرضها وبين جماهيرها.
لكن كرة القدم، كما أثبتت مرارا، لا تعترف بعدد النجوم المرسومة فوق القمصان، ولا بعدد الكؤوس الموجودة في خزائن الاتحادات، لأن التاريخ لا ينزل إلى أرضية الملعب، ليدافع عن أصحابه، وإنما يفعل ذلك أحد عشر لاعبا، يعيشون الحاضر بكل تفاصيله.
ولهذا، فإن العودة إلى ما قدمه المنتخبان في هذه البطولة، تبدو أكثر أهمية من العودة إلى سجلات الماضي.
فالمنتخب الإنجليزي ظهر بصورة مختلفة، عما اعتاد عليه متابعوه في بعض البطولات السابقة. فقد بدا أكثر انسجاما بين خطوطه، وأكثر انضباطا تكتيكيا، كما نجح في تحقيق توازن واضح بين الدفاع والهجوم، دون أن يفقد شخصيته أو قدرته على التحكم في نسق المباريات.
ولم تعد إنجلترا، تعتمد فقط على المهارات الفردية، بل عادت إلى اللعب كمنظومة متكاملة، يعرف كل لاعب فيها دوره بدقة، وهو ما منحها قدرة كبيرة على فرض الإيقاع وإدارة اللحظات الصعبة، سواء عند الاستحواذ أو أثناء التحولات السريعة.
أما المنتخب الأرجنتيني، ورغم مكانته الكبيرة، فقد قدم مستويات متفاوتة خلال البطولة. ففي بعض الفترات، بدا قادرا على صناعة الفارق بفضل خبرة لاعبيه وروحهم القتالية، لكنه في فترات أخرى، ظهر أقل إقناعا من النسخة التي أحرزت لقب مونديال 2022، سواء من حيث السرعة في نقل الكرة أو الفعالية الهجومية أو القدرة على فرض السيطرة المطلقة على المنافسين.
وهنا تكمن أهمية قراءة الحاضر بعيدا عن أي شيء.
فالكرة الحديثة، لا تمنح الأفضلية لمن يحمل أكبر عدد من البطولات، وإنما لمن يصل إلى موعد المباراة، وهو في أفضل حالة فنية وبدنية وذهنية.
ومن هذا المنطلق، تبدو كفة المنتخب الإنجليزي، على ضوء ما قدمه حتى الآن، مرشحة للميل قليلا لصالحه، خاصة إذا تمكن من فرض نسقه منذ الدقائق الأولى، ومنع لاعبي الأرجنتين من الدخول في أجواء اللقاء بالأسلوب الذي يفضلونه.
غير أن هذا الترشيح يبقى نظريا، لأن مباريات الأدوار الإقصائية، لا تعترف بالحسابات المسبقة، بل كثيرا ما تنقلب فيها الموازين بسبب لقطة واحدة، أو خطأ فردي، أو تألق حارس مرمى، أو قرار تحكيمي، أو حتى لمسة حظ تغير مجرى اللقاء بالكامل.
ولعل أجمل ما في كرة القدم، أنها لا تحب اليقين.
كم من منتخب دخل مباراة باعتباره المرشح الأول، فغادرها مكسور الخاطر، وكم من فريق اعتبره الجميع الحلقة الأضعف، فإذا به يصنع واحدة من أكبر مفاجآت البطولة.
ولهذا، فإن الأرجنتين، بما تملكه من شخصية تنافسية وخبرة في إدارة المباريات الكبرى، لا يمكن إخراجها من الحسابات مهما كانت المؤشرات الفنية تصب في صالح منافسها.
فالمنتخبات الكبيرة لا تحتاج دائما إلى تقديم أفضل عروضها حتى تنتصر، بل يكفي أحيانا أن تستغل نصف فرصة، لتكتب النهاية التي تريدها.
وفي المقابل، تدرك إنجلترا أن الترشيحات التي تسبق صافرة البداية، لا تمنح أي امتياز داخل المستطيل الأخضر، وأن الطريق إلى النهائي يمر عبر مباراة، تتطلب تركيزا عاليا، وانضباطا تكتيكيا، وقدرة على استثمار الفرص، مع تفادي الأخطاء التي قد تكون كلفتها باهظة أمام منافس، يعرف جيدا كيف يعاقب خصومه.
الجماهير، من جهتها، ستكون على موعد مع مواجهة، قد تحمل كل عناصر المتعة؛ صراع تكتيكي بين مدرستين مختلفتين، ومواجهة بين لاعبين يملكون مهارات عالية، ومعركة في وسط الميدان، قد تحدد هوية الطرف الذي سيفرض إيقاعه على اللقاء.
ومهما كانت النتيجة، فإن الفائز، سيضرب موعدا مع المنتخب الإسباني في نهائي، ينتظر أن يكون من أقوى مباريات البطولة، بعدما أثبت “لاروخا” أنه أحد أكثر المنتخبات إقناعا، من حيث جودة الأداء، والقدرة على الاستحواذ، والتحكم في نسق المباريات.
ويبقى السؤال معلقا حتى الثامنة مساء: هل تؤكد إنجلترا المؤشرات الفنية التي جعلتها تبدو أقرب إلى التأهل، أم أن الأرجنتين، ستفعل ما اعتادت عليه المنتخبات الكبرى، فتقلب كل التوقعات رأسا على عقب؟
الإجابة لن يمنحها التاريخ… بل سيكتبها الحاضر، فوق العشب الأخضر، مع صافرة النهاية.





https://shorturl.fm/0FLFp