
ضربة قلم
في عالم السياسة الدولية، غالبًا ما يُعاد إنتاج نفس القراءات والتقديرات الماضية، في كل أزمة جديدة، لكن الواقع كثيرًا ما ينقلب على تلك التوقعات. خلال عقود من الصراع والتنافس، بنى كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل تصورًا عميق الجذور عن إيران، بوصفها دولة يمكن احتواؤها بالضغوط الاقتصادية، وأن برنامجها النووي، وصاروخها الباليستي، يمكن الحدّ منه عبر العقوبات والتهديدات.
هذا التصور، لم يكن مجرد قراءة تحليلية، بل كان جزءًا من قرار استراتيجي يُدار من مراكز القرار في واشنطن وتل أبيب. لكن ما يرصده المتابعون اليوم، هو أن هذا التصور، لم يعد يتناسب مع واقع الصراع على الأرض، وأن حسابات القوة والنفوذ قد تغيرت بشكل يجعل التوقعات القديمة، لا تجاري تطورات المرحلة الراهنة.
لطالما ارتبطت توقعات أمريكا وإسرائيل تجاه إيران، بما يمكن وصفه بـ غرور استراتيجي، الغرور الذي يعتقد أن التفوق التكنولوجي والعسكري والاقتصادي، وحده كافٍ لإخضاع الدول المنافسة، أو جعلها تلتزم حدودًا ضيقة من السلوك. لكن إيران أثبتت، في تفاعلات السنوات الأخيرة، أنها أكثر قدرة على الصمود، وأكثر عمقًا في بنيتها الاستراتيجية، وأكثر مرونة في إدارة النزاع مما يُصوَّر في الخرائط السياسية التقليدية.
الأساطير مقابل الوقائع
1. توقع الانهيار تحت الضغوط الاقتصادية
كانت العقوبات الاقتصادية الغربية على إيران، تُسوَّق في كثير من الأحيان باعتبارها، أداة رئيسية لإجبار طهران على التراجع عن سياساتها النووية، والحدّ من تأثيرها الإقليمي.
لكن ما حدث على أرض الواقع، كان أقرب إلى قدرة على التكيّف وإيجاد بدائل اقتصادية بديلة، إلى جانب شبكة من العلاقات التجارية غير التقليدية، التي خفّفت أثر الضغوط المفروضة.
2. الحدّ من النفوذ الإقليمي
امتد نفوذ إيران إلى عدة بلدان، عبر حلفاء وشبكات متعددة، من العراق ولبنان إلى سوريا واليمن. كثير من التحليلات الغربية اعتبرت أن هذا النفوذ قابل للانكسار، عبر الدعم المالي والسياسي لفصائل معارضة، لكنه أثبت أن النظام الإيراني يستطيع التعامل مع الضغوط عبر أدوات أخرى غير تقليدية، تجعل من محاولة تهميشه، أكثر صعوبة مما كان متوقعًا.
3. تقدير القوة العسكرية التقليدية
أحد أخطر الأخطاء في الاستراتيجية الغربية والإسرائيلية، كان الاعتقاد بأن قدرات إيران العسكرية، لا تتجاوز الحدود التقليدية، وأن أي ردّ كبير منها، يمكن قمعه عبر التفوق الجوي أو القواعد المنتشرة في المنطقة.
لكن تطورات السنوات الأخيرة، بما فيها:
-
استخدام الصواريخ الباليستية المدى،
-
استهداف قواعد في دول الخليج،
-
الردود المتدرجة على الضربات السابقة،
تُظهر أن إيران تمتلك قدرات ردع فاعلة لا يمكن تجاهلها عند رسم خرائط القوة.
الغرور الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب
يمكن تلخيص الفجوة بين التوقعات والواقع في عنصرين أساسيين:
أ. تقدير القوة مقابل فهم الإرادة
الولايات المتحدة وإسرائيل، قد يُقيمان القوة العسكرية والاقتصادية، بشكل عالٍ، لكن إيران أثبتت أن إرادتها في الصمود والمواجهة، حتى بصورة غير تقليدية، أكبر مما كان يُتصور. وهذا يضع صانعي القرار في واشنطن وتل أبيب، أمام معادلة صعبة: كيف تتعامل مع خصم لا يتراجع أمام الضغوط التقليدية؟
ب. حسابات الانتصار مقابل واقع التعقيد
في كثير من الأحيان، يتم تفسير أي تصعيد عسكري، بأنه مؤشر ضعف لدى إيران، لكن الواقع يُثبت العكس: فكل مواجهة أو ردّ فعّال يُظهر قدرة إيرانية على تحمّل التكاليف والتفاعل مع المتغيرات بآليات مرنة وغير خطية، ما يجعل مفهوم “الهزيمة” أو “الانهيار” أقل وضوحًا مما كان يُتوهم.
إيران اليوم: قوة غير قابلة للاختزال في معادلة تقليدية
لا يعني هذا أن إيران قوة لا تُهزم.
أو أن حساباتها خالية من الأخطاء.
بل يعني أن:
قراءة اللاعب الإيراني عبر أدوات تقييم القوة التقليدية فقط غير كافية.
إيران أثبتت قدرة على توسيع مسار الصراع بطريقتها الخاصة، حتى عندما تواجه تفوقًا تكنولوجيًا أو اقتصاديًا للخصم.
غطرسة التقديرات السابقة، لم تُدرَج فيها قدرة إيران على إدارة الصراع بآليات غير مباشرة ومتعددة الأدوات.




