الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

اتصالات المغرب أمام أسئلة الردع: من يحمي المنافسة من السلوك المشين والزبناء من الاستنزاف؟

ضربة قلم

في أي سوق تحترم قواعد المنافسة، يفترض أن يكون المستهلك هو المستفيد الأول من التنافس بين الشركات. كلما اشتدت المنافسة، انخفضت الأسعار، وتحسنت الخدمات، وارتفع مستوى الجودة. هذا هو المنطق البسيط الذي تقوم عليه الأسواق الحديثة. لكن حين يشعر المواطن بأن بعض الشركات، تتمتع بامتيازات تجعلها لاعباً وحكماً في الوقت نفسه، فإن السؤال يصبح مشروعاً: هل نحن فعلاً أمام منافسة حقيقية، أم أمام منافسة غير متكافئة؟

هذا السؤال يطرحه اليوم عدد من مستعملي خدمات الإنترنت، خصوصاً أولئك الذين يتابعون ما يجري في سوق الألياف البصرية (الفيبر). فكيف يمكن للمواطن أن يفهم أن عروضاً معينة، تقدم بسرعات وأسعار تبدو أكثر جاذبية للزبناء الجدد أو لزبناء شركات منافسة، بينما يجد زبناء آخرون أنفسهم، يؤدون مبالغ أكبر مقابل خدمات مماثلة أو قريبة منها؟

المشكلة لا تتعلق فقط بالأثمان، بل بالشعور المتزايد لدى كثير من المستهلكين، بأن الوفاء للشركة لم يعد قيمة مضافة. فبدل أن يكافأ الزبون الذي ظل سنوات يؤدي فواتيره بانتظام، يجد نفسه أحياناً، أمام عروض أقل جاذبية من تلك الموجهة لاستقطاب زبناء جدد. وكأن الرسالة غير المعلنة تقول: إذا كنت وفياً، فاستعد لدفع المزيد.

لكن ما يثير الجدل أكثر هو ما يرتبط بالبنية التحتية الخاصة بالألياف البصرية. فالمستهلك العادي لا يهتم كثيراً بالتفاصيل التقنية أو القانونية، لكنه يلاحظ النتائج على أرض الواقع. عندما يطلب الاشتراك في خدمة معينة لدى شركة منافسة، ثم يجد نفسه ينتظر أسابيع أو أشهراً بسبب إجراءات تقنية مرتبطة بالشبكات الخارجية، فمن الطبيعي أن يتساءل: من المسؤول عن هذا التأخير؟ ولماذا تتكرر هذه المشاكل بالذات، عندما يتعلق الأمر بمنافسين في السوق؟

هنا تبدأ الشكوك في الظهور، ليس لأن المواطن يملك كل المعطيات، بل لأن الواقع الذي يعيشه يومياً، يدفعه إلى طرح الأسئلة. والأسواق السليمة لا تخاف من الأسئلة، بل تجيب عنها بالشفافية والوضوح.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي قطاع اقتصادي، ليس وجود منافسة قوية، بل وجود انطباع عام، بأن قواعد اللعبة ليست متساوية بين الجميع. فعندما يشعر المستهلك، بأن بعض الأطراف تمتلك القدرة على التحكم في مفاتيح السوق والبنية التحتية، وفي الوقت نفسه تنافس الآخرين تجارياً، فإن ذلك يطرح إشكالاً حقيقياً يتعلق بتكافؤ الفرص.

وإذا كانت شركات الاتصال الأخرى مطالبة باحترام القانون، فإن الشركة التاريخية الأكبر مطالبة بذلك أكثر من غيرها، لأن حجمها وتأثيرها ومسؤوليتها أكبر. فالريادة لا تعني فقط امتلاك أكبر عدد من الزبناء، بل تعني أيضاً تقديم نموذج في احترام المنافسة وحقوق المستهلك.

المواطن المغربي اليوم لم يعد ذلك الزبون الصامت الذي يقبل كل شيء. لقد أصبح يقارن الأسعار بضغطة زر، ويطلع على العروض في مختلف البلدان، ويدرك أن الإنترنت، لم يعد خدمة ترفيهية بل أصبح ضرورة اقتصادية ومهنية وتعليمية. لذلك فإن أي تأخير أو تمييز أو غموض في تدبير هذا القطاع، يتحول مباشرة إلى موضوع نقاش واسع داخل المجتمع.

السؤال الحقيقي ليس من يربح المنافسة بين شركات الاتصالات. السؤال هو: هل يربح المستهلك المغربي هذه المنافسة؟ فإذا كانت النتيجة النهائية هي أسعار مرتفعة، وتأخيرات متكررة، وشكاوى، لا تجد أجوبة واضحة، فإن الخاسر الأكبر يبقى المواطن الذي يؤدي الفاتورة في نهاية كل شهر.

إن الحاجة اليوم، أصبحت أكبر من أي وقت مضى إلى تعزيز الشفافية والرقابة وضمان تكافؤ الفرص بين جميع الفاعلين. فالسوق لا يمكن أن يكون صحياً إذا شعر البعض، أنهم يركضون في سباق يحدد أحد المتنافسين قواعده ومساره ونقطة وصوله.

وما دام قطاع الاتصالات، يمثل عصب الاقتصاد الرقمي ومستقبل الاستثمار والخدمات الحديثة، فإن حماية المنافسة فيه ليست امتيازاً لشركة أو لشركتين، بل هي حق للمغاربة جميعاً. لأن الإنترنت، لم يعد مجرد كابل يمر تحت الأرض أو صندوق مثبت على عمود، بل أصبح شرياناً أساسياً للحياة اليومية، وأي اختلال في هذا الشريان، ينعكس مباشرة على المواطن والاقتصاد معاً.

وفي انتظار توضيحات مقنعة وإجابات عملية على مختلف الشكاوى المتداولة، سيظل السؤال معلقاً: هل نحن أمام سوق مفتوح للمنافسة الحقيقية، أم أمام واقع يجعل بعض الفاعلين يملكون مفاتيح الملعب وصفارة الحكم في آن واحد؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.