الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

احتلال الملك العمومي في المحمدية أقوى من سلطة القانون

ضربة قلم

إذا كانت هيبة الدولة تقاس بقدرتها على فرض احترام القانون، فإن أول امتحان حقيقي لأي مسؤول ترابي يبدأ من الرصيف، لا من قاعات الاجتماعات، ومن الشارع، لا من البلاغات الرسمية.

ولعل ما تعيشه مدينة المحمدية اليوم، من استفحال لظاهرة احتلال الملك العمومي، يطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى نجاعة التدخلات الميدانية، وحول أسباب استمرار وضع، بات يؤرق السكان والزوار على حد سواء.

لقد تعاقب على المدينة أكثر من مسؤول، وكانت محاربة احتلال الملك العمومي دائما ضمن الأولويات المعلنة. لكن الواقع، كما يراه المواطن بعينه المجردة، يقول شيئا آخر.

يكفي القيام بجولة قصيرة داخل عدد من شوارع المحمدية، حتى يكتشف المرء أن الأرصفة، التي أنجزت بأموال دافعي الضرائب من أجل الراجلين، تحولت في أماكن كثيرة إلى امتداد للمقاهي والمطاعم والمحلات التجارية، بينما يجد المواطن نفسه مجبرا على النزول إلى الطريق، ومشاركة السيارات مسارها، في مشهد يتكرر يوميا دون أن يثير ما يكفي من التدخل الحازم.

ولعل المثال الأكثر دلالة هو ما يقع بزنقة بغداد، التي أصبحت نموذجا صارخا لهذه الفوضى. فهناك، لم يعد الحديث عن احتلال جزء من الرصيف، بل عن الاستيلاء عليه بالكامل، إلى درجة أن الراجل، سواء كان طفلا أو مسنا أو امرأة تحمل رضيعا أو شخصا من ذوي الإعاقة، لا يجد أمامه سوى السير بمحاذاة السيارات، معرضا نفسه لكل المخاطر.

وما يزيد من غرابة الوضع أن بعض هذه المظاهر، توجد غير بعيد عن مقر العمالة، بما يجعل السؤال أكثر إلحاحا: إذا كان هذا الواقع قائما في محيط الإدارة الترابية نفسها، فكيف يكون الحال في باقي الأحياء؟

المواطن لا يطلب المستحيل، ولا ينتظر حملات موسمية تنتهي بانتهاء عدسات الكاميرات، وإنما ينتظر تطبيقا عادلا ومستداما للقانون، دون انتقائية ودون استثناءات.

إن احترام الملك العمومي ليس معركة ضد التجار أو أرباب المقاهي والمطاعم، فهؤلاء بدورهم يوفرون فرص شغل ويساهمون في تنشيط الاقتصاد المحلي. غير أن الاستثمار لا يمكن أن يكون على حساب حق المواطنين في التنقل الآمن، ولا على حساب الفضاء العام الذي يظل ملكا للجميع.

والأخطر من ذلك، أن استمرار هذا الوضع يبعث برسالة سلبية مفادها أن من يحتل الرصيف لا يواجه أي رادع، وأن المخالف يستطيع فرض الأمر الواقع مع مرور الوقت، وهو ما يشجع آخرين على السير في الاتجاه نفسه، لتتسع دائرة الفوضى يوما بعد آخر.

إن المدينة التي تستعد لاستحقاقات تنموية كبرى، والتي تراهن على استقطاب الاستثمار وتحسين جاذبيتها، لا يمكن أن تقدم هذه الصورة لزوارها. فالمدن لا تقاس فقط بما تتوفر عليه من مشاريع إسمنتية، بل أيضا بمدى احترام القانون داخل شوارعها، وبقدرة المسؤولين على حماية الفضاء العمومي من كل أشكال الاستغلال غير المشروع.

ولذلك، فإن المطلوب اليوم ليس البحث عن مبررات، وإنما إطلاق رؤية واضحة تعيد الاعتبار للأرصفة باعتبارها حقا للمارة قبل أي استعمال آخر، مع اعتماد مقاربة تقوم على الحوار والإنذار والتدرج في التطبيق، لكن أيضا على الحزم عندما يتحول خرق القانون إلى قاعدة.

إن سكان المحمدية لا يطالبون إلا بأمر بسيط: أن يتمكنوا من السير فوق الأرصفة التي أنشئت من أجلهم، لا أن يضطروا إلى مزاحمة السيارات في الطريق كل يوم. فاحترام الملك العمومي ليس ترفا إداريا، بل هو أحد أبسط مؤشرات دولة القانون، وأحد المعايير التي يقاس بها نجاح أي مسؤول في تدبير الشأن المحلي.

والأكثر إثارة للاستغراب، بحسب عدد من المهنيين، أنه في الوقت الذي لا تزال فيه مظاهر احتلال الملك العمومي واضحة في عدد من شوارع وأحياء المحمدية، تقتصر بعض التدخلات نحو مقاهي الشاطئ ومقاهي ساحة الأمير مولاي الحسن، وهي فضاءات تشتغل في إطار أنشطة سياحية ومنظمة، وتؤدي الرسوم والواجبات المستحقة لفائدة الجماعة، وفق ما ينص عليه الإطار القانوني المنظم لعلاقاتها مع الجماعة الترابية. وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول أولويات التدخل، ومدى احترام مبدأ المساواة في تطبيق القانون، بعيدا عن أي انتقائية، قد تثير الجدل في أوساط الرأي العام المحلي.

كما أن ما يتم تداوله بشأن دعوة بعض ممثلي السلطة إلى وقف أداء تلك الرسوم، يستوجب توضيحا رسميا من الجهات المعنية، لأن مثل هذه المعطيات، إن ثبتت، تثير نقاشا قانونيا وإداريا حول مدى انسجامها مع النصوص الجاري بها العمل، وحول الجهة المختصة قانونا باتخاذ مثل هذه القرارات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.