الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

سياسةمجتمع

احذروا “غرارين عايشة” في الانتخابات التشريعية.. يرفعون المرشح إلى السماء، ثم يتركونه يسقط أمام الصندوق!

م-ص

هناك حكايات قديمة، لا نعرف هل كانت واقعة حقيقية، أم مجرد قصة تناقلتها الألسن، لكن بعض الحكايات عندنا تمتلك قدرة عجيبة على العودة إلى الحياة، كلما اقترب موعد الانتخابات.

ومن أشهر هذه الحكايات قصة «غرارين عايشة».

تحكي القصة أن عائشة، كانت امرأة شديدة الجمال، تعيش مع زوجها في بيت متواضع داخل دوار. وكان جمالها يجعل بعض شباب الدوار، يلاحقونها بالكلام المعسول، كلما مرت من أمامهم.

واحد يقول لها: طلقي راجلك وأنا نتزوج بيك.

والثاني: غير صبري، أنا واجد.

والثالث ربما كان يحتاج فقط إلى أن تتوقف أمامه خمس دقائق، حتى يعلن نفسه فارس الأحلام!

ومع كثرة الكلام، وكثرة الوعود، وكثرة الذين يرددون عليها، أنها تستحق أفضل من زوجها، بدأت عائشة تصدق الحكاية.

شيئا فشيئا، أصبح الزوج الطيب في نظرها عائقاً، أمام مستقبلها المشرق.

بدأت المشاكل، ثم الخصام، ثم طلب الطلاق…

حتى حصلت عليه.

وهنا، بدأت الحلقة الثانية من المسلسل.

بعد الطلاق، اختفى الفرسان!

الذي كان يقول: «أنا كنموت عليك» أصبح لا يرد على الهاتف.

والذي كان يقسم لها، أنه لن ينام حتى يتزوجها، صار يحتاج إلى موعد مسبق كي يراها.

والذي كان مستعداً، حسب كلامه، لبناء بيت من أجلها، اكتشف فجأة، أن الإسمنت غالي!

وبعد أسابيع، فهمت عائشة أن بعض أولئك، لم يكونوا يبحثون عن الزواج أصلاً، وإنما كانوا يبحثون عن شيء آخر.

لكن المشكلة أن الطلاق وقع…

والندم، كما يقول المثل، لا يعيد الزوج إلى البيت.

وهنا نصل إلى الانتخابات..

لأن بعض القصص القديمة، مع تغيير الشخصيات والملابس والديكور، يمكن أن تجد لها نسخة حديثة جداً في الانتخابات.

نحن لا نتحدث هنا عن أولئك الذين يدخلون الانتخابات وهم يحملون المال، ويخرجون منها وقد خسروا المال، وربما خسر المواطن أكثر، ولا نتحدث عن الذين يحسبون الانتخابات صفقة رابحة، يدخلونها بما في جيوبهم، ويخرجون منها بما هو أكبر بكثير مما كان فيها.

ولا نتحدث عن شراء الأصوات، ولا عن استعمال المال الحرام أو الحلال – إن كان هناك مال انتخابي حلال ومال انتخابي حرام! – ولا عن «الموسم الانتخابي» الذي تتحول فيه بعض الجيوب إلى صناديق دعم متنقلة.

حديثنا عن نوع آخر من المرشحين.

مرشح كان، بالأمس، مستشاراً منتخباً عادياً.

يدخل المجلس مثل باقي المستشارين، يجلس في الصف، يصوّت أو يعارض، يتكلم أحياناً، وربما يرفع يده في الوقت الذي يرفع فيه الجميع أيديهم، ثم مع مرور الوقت، وكثرة المديح من المحيطين به، قد يبدأ في الانتفاخ قليلاً، فيخلط بين ممارسة دوره الطبيعي كمستشار، وبين اعتقاد البعض أنه أصبح شخصية استثنائية تنتظرها الجماهير!

ثم فجأة…

بدأ يسمع.

«آ السي فلان، راك كبير!»

«آ السي فلان، الناس كلها معاك!»

«أنت خاصك تكون في البرلمان!»

«أنت عندك الشعبية!»

«أنت هو اللي غادي تبدل المنطقة!»

«الناس كتموت عليك!»

وهنا تبدأ قصة «غرارين عايشة» السياسية.

في البداية، يضحك المرشح.

ثم يبتسم.

ثم يصدق نصف الكلام.

ثم يصدق الكلام كله.

ثم يبدأ في النظر إلى نفسه في المرآة، بطريقة مختلفة.

ويقول في داخله:

«واش بصح؟ يمكن فعلاً أنا هو الرجل المنتظر!»

وطبعاً، هناك دائماً من يتكفل بإكمال المهمة.

هؤلاء ليسوا بالضرورة مناصرين.

إنهم غرّارون محترفون.

وظيفتهم بسيطة:

يرفعون المرشح إلى السماء…

ثم يتركونه هناك وحده!

واحد منهم يقول له، إن المدينة كلها معه.

والثاني يؤكد أن الدائرة كلها تنتظره.

والثالث يقسم له أن الناس، لا تتحدث إلا عنه.

والرابع ربما أخبره، أن حتى الذين لا يعرفونه، سيصوتون له!

والمرشح، بدل أن يسأل سؤالاً بسيطاً:

«فين هما هاد الناس؟»

يبدأ في تجهيز البدلة!

المشكلة ليست في الطموح

فالترشح حق، والطموح السياسي ليس جريمة.

ومن حق أي مواطن، أن يحلم بالوصول إلى البرلمان.

لكن المشكلة، تبدأ عندما يتحول التصفيق إلى استطلاع للرأي، والمديح إلى أصوات انتخابية، والابتسامة في السوق إلى مقعد برلماني!

فليس كل من قال لك:

«الله يعطيك العز، آ السي فلان»

سيعطيك صوته.

قد يعطيك صوته فعلاً…

وقد يعطيك ابتسامة.

وقد يعطيك وعداً.

وقد يعطيك حتى كلمة:

«كون هاني، أنا معاك.»

ثم يوم الاقتراع، يذهب ويضع ورقة مختلفة في الصندوق!

وهنا فقط، يكتشف المرشح أن «معاك» كانت تعني معه في الكلام، وليس معه في الصندوق!

وهذه هي خطورة «غرارين عايشة» في السياسة

أن يحيط بك أشخاص، لا يريدون لك النجاح، وإنما يريدون أن تستمر في تصديق أنك ناجح.

لأن بعضهم، يعرف جيداً أنك لو بقيت مقتنعاً بأنك محبوب، ستظل قريباً منه.

سيظل يستفيد من نفوذك.

سيظل يدخل عليك بلا استئذان.

سيظل يقول لك:

«غير دير فيا الثقة.»

والمرشح المسكين يضع ثقته…

ثم يكتشف بعد الانتخابات، أن الشخص الذي كان يقول له: «أنت هو المستقبل» قد انتقل بسرعة قياسية إلى مستقبل مرشح آخر!

وهنا تبدأ مرحلة البحث عن الأعذار:

«الانتخابات كانت فيها مؤامرة.»

«الناس تبدلات.»

«كاين المال السياسي.»

«الدوائر الانتخابية ماشي عادلة.»

«المواطن ما فهمش المشروع.»

وربما يصل الأمر إلى تحميل المسؤولية حتى للطقس!

فقط لا يقول:

«ربما غرّوني.»

أيها المرشح… انتبه!

قبل أن تصدق من يقول لك، إنك أصبحت زعيماً، اسأل نفسك:

هل الناس فعلاً معك؟

أم أن مجموعة صغيرة من المنتفعين، تحاول إقناعك بذلك؟

هل لديك حضور حقيقي بين المواطنين؟

أم أن حضورك قوي فقط في مجموعة واتساب؟

هل الناس تعرف برنامجك؟

أم أنها، تعرف فقط أنك ستترشح؟

بعيدا عن الشعبوية، هل لديك حصيلة، يمكن الدفاع عنها؟

أم أن كل رصيدك السياسي، هو أن بعض الأشخاص ينادونك:

«آ السي البرلماني!»

قبل أن تصبح برلمانياً؟

فالانتخابات، ليست مسابقة في من يصدق المديح أكثر.

والصندوق الانتخابي، لا يعرف المجاملات.

ولا يعرف «آ السي فلان راك محبوب».

ولا يعرف عدد الأشخاص الذين رددوا أمامك:

«حنا معاك حتى للآخر.»

الصندوق يعرف شيئاً واحداً:

كم ورقة تحمل اسمك.

وهنا قد تكون الصدمة!

لأن بعض الذين يعيشون اليوم نشوة «غرارين عايشة» قد يستيقظون صباح 24 شتنبر، ليكتشفوا أن كل أولئك الذين كانوا يقولون لهم:

«البرلمان ينتظرك!»

لم يكونوا ينتظرون إلا شيئاً واحداً…

أن يدفعوا هم ثمن الوهم!

وهكذا، كما خرجت عائشة من قصتها، وهي تقول: «يا ليتني ما صدقتهم»، قد يخرج بعض المرشحين من الانتخابات، وهم يرددون النسخة السياسية الحديثة:

«يا ليتني سألتهم: فين هما هاد الأصوات اللي كنتو كتهضرو عليها؟»

لأن أخطر شيء في الانتخابات، ليس أن تخسر…

بل أن تدخلها وأنت مقتنع أنك رابح، فقط لأن «الغرارين» أحاطوا بك وأقنعوك أنك عايشة!

وفي السياسة، كما في الحياة:

لا تصدق كل من يرفعك إلى السماء… فقد يكون فقط يريد أن يسقطك من مكان أعلى!

وفي الأخير، وحتى لا يُفهم كلامنا خطأ، فنحن لسنا مع «الشناقة» الانتخابيين الذين يتعاملون مع أصوات المواطنين، كما لو كانت سلعة في سوق أسبوعي، فيشترون الضمائر بالمال، ويستغلون فقر الناس وحاجتهم، بل وحتى جهل بعضهم بحقوقه السياسية.

هؤلاء لا يشترون الأصوات فقط، بل يشترون وهماً مؤقتاً، ثم يتركون المواطن، بعد الانتخابات، يواجه وحده غلاء المعيشة، إن لم يكونوا هم أنفسهم من المتسببين في إشعال نيران غلاء المواد الاستهلاكية والمحروقات، والبطالة، وضعف الخدمات، وسائر مشاكل البلاد والعباد.

لكننا، في المقابل، نتحدث أيضاً عن أولئك الذين يصدقون «غرارين عايشة»، فيعيشون على المديح والتصفيق، ويظنون أن كل ابتسامة صوت، وكل مصافحة ولاء، وكل «حنا معاك» مقعد برلماني.

فالانتخابات، ليست سوقاً لشراء الناس، وليست أيضاً مسرحاً لبيع الأوهام.

المواطن ليس سلعة… والمرشح ليس نجماً فوق المساءلة.. ونأمل صادقين أن يكون الصندوق الانتخابي، في النهاية، هو الذي يقول الحقيقة، مهما طال التصفيق، ومهما ارتفعت أصوات «غرارين عايشة»… لأن الصندوق لا يجامل، ولا يصفق، ولا يبيع الوهم؛ وإنما يضع كل واحد أمام حجمه الحقيقي!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.