
ضربة قلم
في زمن أصبحت فيه المعاملات البنكية، تتم بضغطة زر، لم تعد سرقة الأموال تحتاج إلى اقتحام وكالة بنكية، أو كسر خزنة حديدية، بل يكفي اتصال هاتفي محكم الإعداد، وصوت هادئ، وثقة مصطنعة، حتى يجد الزبون نفسه على بعد ثوان من فقدان مدخراته. وهذا بالضبط ما كاد يقع لأحد الأصدقاء، لولا تدخل زميل له، في آخر لحظة، لينقذه من عملية نصب إلكتروني كانت ستكلفه الكثير.
يروي صديقنا، وهو مسؤول عن قسم في مؤسسة يشتغل بها، أنه تلقى هذا الصباح اتصالا هاتفيا من شخص قدم نفسه، بكل ثقة على أنه موظف بإحدى الوكالات البنكية التي يتعامل معها. لم يكن المتصل متوترا، ولم يستعمل لغة السوق أو أسلوب الابتزاز، بل تحدث بلباقة كبيرة، وبطريقة توحي بالاحترافية، حتى إن الرجل لم يشك للحظة في حقيقة هويته.
المثير في الأمر أن المتصل، كان يتوفر على معلومات جعلت حديثه يبدو مقنعا. كان يعرف اسم الزبون، ويعرف البنك الذي يتعامل معه، بل تحدث عن عملية عادية، قال إنها تحتاج إلى تأكيد بسيط حتى يتم رفع التجميد عنها.
ومع استمرار الحديث، بدأ النصاب يقترب من هدفه الحقيقي، وهو الحصول على الرقم السري أو رمز التحقق المرتبط بالبطاقة البنكية، باعتباره الحلقة الأخيرة، التي تمكنه من إتمام عملية الأداء أو تحويل الأموال.
في تلك اللحظة بالذات، كان زميل للرجل موجودا بالقرب منه، فانتبه إلى طبيعة الحديث، وسأله بسرعة: “هل أنت متأكد أن هذا بنكك؟ لا تعطه أي رمز.”
كانت تلك الجملة القصيرة كفيلة، بقطع الطريق على النصاب.
استعاد الرجل تركيزه، وأدرك أنه كان على وشك الوقوع في الفخ، فسارع إلى إنهاء المكالمة. وبعد دقائق معدودة، عاد الشخص نفسه للاتصال مرة ثانية، في محاولة أخيرة لإقناعه، لكنه هذه المرة رفض الرد نهائيا.
لم يكتف الرجل بالنجاة، بل توجه مباشرة إلى وكالته البنكية، قصد التأكد مما وقع.
وهناك كانت المفاجأة.
بعد الاستماع إلى روايته، قامت مستخدمة الوكالة بالتحقق من حسابه، لتكتشف بالفعل أن هناك محاولة لإجراء عملية شراء إلكترونية، لكنها توقفت، لأنها كانت في انتظار إدخال رمز المصادقة الذي حاول النصاب الحصول عليه عبر الهاتف.
بمعنى آخر، لو قدم الزبون ذلك الرمز، لكانت العملية، قد تمت في ثوان معدودة، ولانتقلت الأموال إلى الجهة المحتالة، دون أن يشعر إلا بعد فوات الأوان.
هذه الواقعة تطرح أكثر من علامة استفهام.
السؤال الأول يتعلق بكيفية وصول النصابين إلى معلومات دقيقة عن الزبناء.
فالمتصل لم يكن يتحدث عشوائيا، بل كان يعرف البنك الذي يتعامل معه الضحية، وكان يعرف رقم هاتفه، ويملك معطيات كافية لبناء سيناريو مقنع.
وهنا يبرز السؤال المشروع: من أين تأتي كل هذه البيانات؟
هل يتعلق الأمر بتسريبات من قواعد بيانات بعض المؤسسات؟
أم بعمليات قرصنة إلكترونية تستهدف شركات أو منصات تحتفظ ببيانات الزبناء؟
أم أن بعض التطبيقات والمواقع الإلكترونية، أصبحت تشكل منفذا سهلا لتجميع المعلومات الشخصية، وإعادة بيعها في السوق السوداء الرقمية؟
قد لا تكون هناك إجابة واحدة، لكن المؤكد أن امتلاك المحتالين، لهذه المعطيات، يمنحهم أفضلية كبيرة في خداع الضحايا.
فكلما عرف النصاب تفاصيل أكثر عن الشخص، زادت نسبة نجاحه في إقناعه.
الأخطر من ذلك أن كثيرا من المواطنين، ما زالوا يعتقدون أن المتصل إذا كان يعرف اسمهم أو البنك الذي يتعاملون معه، فلا بد أنه مستخدم بنكي حقيقي، بينما الواقع يثبت أن هذه المعلومات أصبحت، للأسف، متداولة لدى شبكات إجرامية متخصصة في الاحتيال الإلكتروني.
لقد تطورت أساليب النصب بشكل لافت.
لم يعد المحتال يطلب منك تحويل الأموال مباشرة، بل يجعلك أنت من يسلمه المفتاح الذي يفتح به خزنتك الإلكترونية.
ولهذا، فإن البنوك، سواء في المغرب أو في مختلف دول العالم، تؤكد باستمرار قاعدة بسيطة، لكنها أساسية: لا يوجد أي مستخدم بنكي مخول لطلب الرقم السري للبطاقة أو رمز التحقق المرسل عبر الهاتف أو أي رمز سري آخر من الزبون.
وأي اتصال يطلب هذه المعلومات، يجب أن يثير الشك فورا، مهما بدا المتحدث محترفا أو مطلعا على تفاصيل الحساب.
إن ما حدث مع هذا الصديق ليس حالة معزولة، بل يعكس تنامي ظاهرة، أصبحت تؤرق آلاف المواطنين.
فبين الفينة والأخرى، تظهر طرق جديدة للنصب الإلكتروني، تعتمد على الذكاء في الإقناع أكثر، مما تعتمد على المهارات التقنية.
لذلك، فإن حماية المواطنين لم تعد مسؤولية فردية فقط، بل أصبحت مسؤولية جماعية، تتقاسمها البنوك، وشركات الاتصالات، والهيئات المكلفة بالأمن السيبراني، ووسائل الإعلام، والمؤسسات التربوية.
ونعتقد أن الظرفية تستدعي إطلاق حملات وطنية واسعة للتحسيس بمخاطر الاحتيال الرقمي، عبر التلفزيون والإذاعة ومنصات التواصل الاجتماعي، مع تكثيف الرسائل التحذيرية الموجهة إلى الزبناء.
كما أن الأجهزة الأمنية المختصة في مكافحة الجرائم الإلكترونية، مدعوة إلى مواصلة جهودها في تعقب هذه الشبكات، وتفكيكها، والتصدي لكل من يستهدف المواطنين عبر الوسائل الرقمية، مع تعزيز التعاون بين مختلف المتدخلين لمواجهة هذا النوع من الجرائم الذي يتطور باستمرار.
ويبقى أهم درس يمكن استخلاصه من هذه الواقعة هو أن الثقة وحدها، لم تعد تكفي في العالم الرقمي.
قبل أن تكشف أي معلومة، وقبل أن تضغط على أي رابط، وقبل أن تقدم أي رمز سري، توقف للحظة، واتصل أنت بنفسك بالبنك عبر رقمه الرسمي، أو توجه إلى أقرب وكالة.
فقد تكون تلك الدقيقة التي تستغرقها في التحقق، هي التي تنقذ سنوات من الادخار والعمل.
إن معركة اليوم، لم تعد فقط ضد اللص الذي يكسر الأقفال، بل ضد اللص الذي يبتسم عبر الهاتف، ويتحدث بأدب، ويعرف عنك أكثر مما ينبغي، وينتظر منك كلمة أو رقما واحدا ليختفي بأموالك في ثوان معدودة.




