الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

ادفع لتنتظر… وقد تموت قبل أن ينادوا باسمك!

ضربة قلم

في المغرب، الحق في العلاج ليس مسألة إنسانية، بل حظ في اليانصيب. تدخل إلى المستشفى حاملاً بطاقة التغطية الصحية الجديدة، معتقدًا أنك صرت “مؤمَّنا”، فتُفاجأ بأن أول ما يُطلب منك هو: “سير جيب البون”. البون هذا ليس تذكرة لعرض مسرحي، بل وثيقة سحرية تؤهلك للدخول إلى دهاليز النظام الصحي، بشرط ألا تموت قبل أن يُفتح لك الباب.

الموعد؟ بعد شهرين للفحص الأول، وثلاثة أشهر للأشعة، وستة أشهر لرؤية الطبيب المختص. وإن صمدت حيًّا حتى يحين دورك، تُفاجأ بأن “الماكينة خاسرة” أو “الطبيب ماجاش”، أو أن هناك إضرابًا جزئيًا لأن الأطباء قرروا التعبير عن سخطهم هم أيضًا، لكن عبر جيبك هذه المرة. أما إن قررت الذهاب لمصحة خاصة، فكن مستعدًا لرهن ذهب الزوجة إن كان لها، أو بيع نصيبك في الإرث، أو تقديم الكلية رهينة مقابل تحاليل دم شاملة.

أما حكاية التغطية الصحية الإجبارية التي بشّرونا بها كمنقذ من المعاناة، فتحوّلت عند كثير من المغاربة إلى مجرد بطاقة بلا معنى. تدفع شهريًا ما يكفي لشراء صندوق أدوية، ولا تجد في المقابل سوى “شوف معانا شهر الجاي”. الأسوأ من ذلك أن بعض المرضى يضطرون إلى اقتراض المال لأداء واجبات الاشتراك في التأمين، فقط ليكتشفوا أن أهم الأدوية غير متوفرة، وأن التعويضات تتطلب بيروقراطية أشبه بطقوس الحج.

كل شيء في المستشفى يُقاس بزمن الانتظار: ساعة في طابور التسجيل، ساعتان في طابور الفحص، أسبوع للحصول على ورقة الأشعة، شهران لإجراءها، ثلاثة أشهر لقراءة نتائجها، وسنة ليُقال لك: “خاصّك دير عملية… ولكن ما عندناش الإمكانيات”. أما قسم المستعجلات، فذاك حكاية أخرى: تدخل وأنت تمشي، تخرج وأنت تزحف، بعد أن تُنهكك النظرات الباردة، والكراسي المكسّرة، والردود المعلبة من نوع “صبر شوية”.

في خضم هذه الفوضى، هناك طابور آخر لا يُذكر: طابور الأرواح التي ماتت وهي تنتظر، أو تلك التي اكتشف أهلها المرض متأخرًا، لأن الموعد كان بعيدًا. هناك من قرر أن يتداوى بالأعشاب، لا عن قناعة، بل عن عجز. وهناك من صار يفضل الصمت على الذهاب للمستشفى، لأن المرض أرحم من الإهانة.

الغريب أن الخطاب الرسمي لا زال يحدّثنا عن “ورش إصلاح المنظومة الصحية”، وكأننا نعيش في السويد ويطلبون منا قليلًا من الصبر. الحقيقة أن المرض في المغرب ليس فقط معركة ضد الجرثومة، بل معركة مع النظام بأكمله: نظام إداري، نفسي، اقتصادي، وأخلاقي. فأنت لا تحتاج فقط إلى طبيب، بل إلى “باك صاحبي”، و”معرفة في الصيدلية”، و”فلوس ما بين السطور”، حتى تحصل على ما يُفترض أنه حقك الدستوري.

في هذا البلد، تُولد ببطاقة تعريف، لكن تموت ببطاقة انتظار. تدفع لتنتظر، وتنتظر لتُهمَل، ثم تُنسى. فهل نحتاج إلى علاج فعلي، أم إلى مستشفى يُعالج الوطن كله من أعراض التبلد؟

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.