ادفع “وإلا خلّيتك بلا حراك” : عندما تتحول المصحات إلى سجون صحية!

ضربة قلم
في المغرب، أصبحت المصحات الخاصة لا تكتفي بلعب دور المستشفى، بل تحولت تدريجيًا إلى وكالات تحصيل الديون، مع خدمات إضافية تشمل “احتجاز المرضى”، و”تجميد الجثث إلى حين السداد”، وربما قريبًا “قروض علاجية بفوائد رمزية”! لم تعد زيارة الطبيب مسألة علاج، بل مقامرة مالية قد تنتهي بك على سرير، لا تعرف إن كنت تتعافى… أو تُحجز!
مرضى يدخلون على أرجلهم ويخرجون بعد مفاوضات مرهقة كأنهم أسرى حرب، وجثث تنتظر الإفراج المشروط، بينما ذووهم يجمعون فدية ‘حرية الجثمان’، في مشهد أقرب لفيلم درامي اسمه: حتى الموت ماشي فابور، إنتاج مشترك بين مصحة خاصة وبطاقة بنكية فارغة.
في مراكش، تحتجز أجنبية، ربما قالت في وكالة السفر إنها تحلم بتجربة “إقامة مغربية تقليدية”، فوجدت نفسها في رياد صحي بنكهة الرهائن. وفي بني ملال، جثة تنتظر الشيك لكي ترتاح بسلام. أما المرضى النفسيون، فحدث ولا حرج، فقد وجدوا أخيرًا مكانًا يشعرون فيه بالحب والاحتضان… حتى لو كان ذلك عنوة وتحت الحراسة!
البلاغ يتحدث عن احتجاز، والقانون يتحدث عن الحظر، والدين يتحدث عن الرحمة، لكن المصحات تتحدث لغة أخرى تمامًا: “خلص وإلا خليك!”، وكأن العلاج أصبح عرضًا حصريًا في مول تجاري: “ادفع أولاً، نداويك لاحقًا. وإذا مت، خلّينا نديّرو فيك دِيكور شوية!”
ويا ليت الأمر توقف عند الاحتجاز… فهناك من يطلب شيكًا قبل أن يُقاس الضغط الدموي. والمثير في كل هذا أن المصحات تتصرف وكأنها سلطة قضائية مستقلة تحكم وتنفذ وتحتجز… ما خاصها غير دار للعقوبات الصحية وسجلات للمعتقلين المرضى!
الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة والحق في الحياة، مشكورة، تطالب بتحقيقات ولجان، لكن بين لجنة وأخرى، هناك مغاربة يُداوَون بالوعود ويُدفنون بـ”ترخيص مالي”. يريدون قوانين صارمة؟ نعم، ولكن القوانين التي تُقرأ في الندوات لا تُسعف مريضًا في قسم الإنعاش، ولا تُفرج عن جثة محبوسة تنتظر الكفالة.
أما عن أوروبا، فهي تصنف هذه الممارسات كـ”جريمة ضد الإنسانية”، ونحن هنا نصنفها كـ”عقد شراكة مع شركة التحنيط في انتظار السداد”. ومصر والأردن يتطوران تشريعيًا، بينما نحن نُطوِّر خدمة “الاحتجاز الطبي الممتاز” بضمانات بنكية وخصم في حال الدفع المسبق، في وقت برز اسم شركة خاصة في شراء وإنشاء المصحات والمتاجرة في صحة المغاربة.
وفي النهاية، نُذكِّر السادة المرضى: لا تنسوا أخذ بطاقة هويتكم، بطاقة تأمينكم، شيككم البنكي، وربما محاميكم الخاص، قبل الدخول إلى أي مؤسسة صحية… لأن الصحة في المغرب ليست حقًا، بل عقدًا بشروط تعجيزية. والمرض، في هاد الظروف، ما هو إلا تجربة فندقية 5 نجوم… بلا فطور، وبلا خروج!




