الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

سياسةالشأن المحلي

استحقاقات المحمدية: من سيمثل المدينة، ومن سيبقى مجرد عابر في محطة السياسة؟

ضربة قلم

في مدينة كان يُفترض أن تكون لؤلؤة الساحل الأطلسي، تقف المحمدية اليوم، كأنها عالقة بين ماضٍ واعد وحاضر مرتبك. مدينة النفط والميناء والبحر، التي كانت يومًا، تُقدَّم كنموذج للمدينة الصناعية المنظمة، صارت في نظر كثير من سكانها مشروعًا مؤجلًا… أو حلمًا وُضع بعناية في رفّ الانتظار.

الطرقات التي أنهكها الزمن، الأرصفة التي تحولت إلى فسيفساء من الحفر، والمساحات الخضراء التي تتراجع أمام زحف الإسمنت، ليست مجرد تفاصيل عابرة. إنها إشارات صغيرة تتجمع لتصنع سؤالًا كبيرًا: كيف لمدينة بكل هذه الإمكانات أن تبدو وكأنها تسير ببطء نحو الهامش؟

غياب الرئيس والأطر الكفؤة، وتكليف الأميين والمرتزقة بمهام ومسؤوليات أكبر مما يحتملون، جعل المدينة تتحرك، وكأنها في مسرحية هزلية من إنتاج “الفوضى المنظمة”. المفارقة أن عناصر القوة حاضرة على الورق: موقع استراتيجي، تاريخ صناعي مهم، وشاطئ كان يمكن أن يجعل منها وجهة سياحية، تحبس الأنفاس. لكن ما يفصل الإمكانات عن الواقع، ليس الجغرافيا ولا البحر، بل إدارة تتقاذفها الرياح حسب الموسم، ورؤية تتغير مع كل اجتماع، وكأن المدينة، تُدار بمنطق اللحظة العابرة، لا بمنطق المستقبل. هنا، تبدو المحمدية، وكأنها كائن حي لا يُعرف، ما إذا كان يعيش، أم يختبئ خلف الضباب الإداري، ليبقى عرضة لكل نسمة عبث.

المواطن في المحمدية لم يعد يطلب المعجزات، ولم يعد ينتظر مشاريع ضخمة أو وعود انتخابية براقة. كل ما يريده هو أن تُحترم المدينة التي يعيش فيها، وأن يُحترم إيقاع الحياة اليومية: طرقات صالحة لا تتحول إلى متاهات بعد أول مطر، فضاءات للشباب تتيح لهم الحركة والابتكار، نظافة في الأحياء، لا تختفي مع أول سلة مهملات ممتلئة، وإنارة لا تنطفئ مع أول نسمة ريح.

لكن لكل هذا ثمن بسيط وواضح: وجود الموظف المناسب في المكان المناسب. موظف يعرف كيف يدير الموارد، ويشعر بالمدينة، كما يشعر أبناؤها، ويضع المصلحة العامة، فوق كل اعتبارات. الموظف الذي يملك الخبرة والرؤية، ويعرف أن المدينة ليست مجرد أرقام في ميزانية، بل حياة يومية، يلمسها المواطن في كل خطوة يخطوها.

عندما يتحقق هذا التوازن، وتُوضع الكفاءات في مواقعها الصحيحة، ستتنفس المدينة بحرية، وينقضي زمن الإهمال والتردد، لتصبح المحمدية مكانًا يليق بسكانها حقًا، لا مجرد حبر على ورق أو شعارات انتخابية تتغير مع كل موسم.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، يذهب أبعد من تشخيص الأعطاب. فالمحمدية تقف على عتبة استحقاقات قادمة وقريبة لا ريب فيها، استحقاقات قد تعيد ترتيب الأوراق، وتفتح باب المراجعة. وعند تلك اللحظة بالذات، سيجد الجميع أنفسهم أمام مرآة المدينة: ماذا تحقق؟ وما الذي تعثر؟ ومن يملك حق الحديث باسم مستقبلها؟

فالمدن، مثل الكائنات الحية، لا تعيش فقط على ذاكرة الماضي، بل على قدرتها على تجديد نفسها. والمحمدية، بكل تاريخها وموقعها، تستحق أن تكون أكثر من مجرد ذكرى جميلة أو وعد مؤجل.

يجب أن تُمحى من المدينة صورة الانتهازيين الذين يعتبرون المحمدية مجرد مغارة علي بابا. أولئك الذين يتاجرون بالعمل النقابي أو السياسي لا تعرف في قلوبهم غيرة حقيقية، إلا لمصالحهم الحقيرة، ويضحون بمصلحة السكان من أجل تعزيز مكاسبهم الشخصية الفارغة. محاربة هذا النوع من الفساد، والابتزاز ضرورية لتستعيد المدينة، مكانتها وتستعيد الثقة بين أهلها وإدارتها.

ويبقى السؤال معلقًا في الأفق: هل ستشكل الاستحقاقات القادمة، فرصة حقيقية لفتح صفحة جديدة، في تاريخ المحمدية، أم ستظل المدينة، تدور في الحلقة نفسها، حيث تتغير الوجوه وتبقى الأسئلة؟ ومما لا شك فيه، أن المرحلة القادمة، قد تعيد ترتيب الوجوه داخل المشهد المحلي، فبعض الوجوه التي تسللت، في غفلة من الزمن، إلى مواقع تمثيل ساكنة المدينة تبدو اليوم أقرب إلى عابرين في محطة سياسية مؤقتة. ومع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، يتزايد الاعتقاد لدى كثيرين بأن جزءًا من هذا الحضور، لن يجد طريقه مجددًا إلى المشهد نفسه، لأن ذاكرة المدينة – وإن تأخرت أحيانًا – لا تخطئ طويلاً في التمييز بين من خدمها فعلًا، ومن اكتفى بالمرور فوق أرصفتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.