استعدادات الأحزاب لاستحقاقات 2026: تجديد حقيقي أم تدوير للنخب؟

ضربة قلم
مع اقتراب سنة 2026، تبدأ الأحزاب السياسية في المغرب في تسخين محركاتها استعدادًا للاستحقاقات المقبلة. الواجهة الإعلامية ستُزيَّن بشعارات جديدة، وخطابات مُنمقة تتحدث عن “التغيير”، “الأمل”، و”التجديد”. لكن السؤال العميق الذي يفرض نفسه هو: هل نحن بالفعل أمام تجديد حقيقي للنخب السياسية؟ أم أننا بصدد إعادة تدوير نفس الوجوه، بنفس الذهنيات، مع تغييرات طفيفة في الشكل فقط، لا تمس الجوهر؟
1. الخطاب السياسي: بين التلميع والتكرار
الأحزاب تدرك أن المواطن لم يعد يثق في الخطاب التقليدي القائم على الوعود الفضفاضة، ومع ذلك نراها تعيد نفس الأشرطة القديمة: محاربة البطالة، دعم التعليم، تحسين الصحة، تعزيز الديمقراطية المحلية… إلخ. الفرق الوحيد أن هذه المرة سيتم تقديمها على شكل “برامج استراتيجية” أو “خطط واقعية” مصحوبة بعروض بصرية مبهرجة على وسائل التواصل الاجتماعي. لكن الجوهر يظل نفسه: وعود مؤجلة منذ عقود، والشعب مازال يقبع في قاعة الانتظار.
2. التجديد في الوجوه أم في الأفكار؟
غالبًا ما يخلط الناس بين “تجديد النخب” و”تغيير الأشخاص”. الأحزاب، في معظمها، تميل إلى تقديم بعض الوجوه الشابة أو النسائية في الصفوف الأمامية لإيهام الناخب بأن هناك دماء جديدة. غير أن المشكلة لا تكمن في السن أو الجنس، بل في الذهنية التي يتم بها تدبير الشأن السياسي. فالكثير من الشباب الذين يُقدَّمون كرموز للتجديد، يجدون أنفسهم أسرى المنظومة القديمة، مضطرين للتكيف مع قواعد اللعبة بدل محاولة تغييرها.
3. موسم التحالفات: السياسة بمنطق السوق
مع اقتراب 2026، ستبدأ المفاوضات السرية والعلنية حول التحالفات. هنا تكمن المفارقة: أحزاب تتبادل الشتائم طوال خمس سنوات، ثم تجلس على طاولة واحدة لتقسيم الكعكة الانتخابية. المواطن يشاهد المشهد في صمت ودهشة: “كيف لهؤلاء أن يكونوا أعداء الأمس وحلفاء اليوم؟”. النتيجة أن الناخب يفقد أكثر فأكثر الثقة في مصداقية العمل الحزبي، ويرى السياسة مجرد سوق لتبادل المنافع.
4. الرهان على الشباب: شعار للاستهلاك فقط؟
من أكثر الشعارات التي ستُرفع في الحملات المقبلة: “إشراك الشباب”. لكن إذا نظرنا بعمق، نجد أن حضور الشباب في مراكز القرار يظل ضعيفًا جدًا، وغالبًا ما يتم استدعاؤهم فقط لإكمال الصور الجماعية أو لتحريك الحملات الرقمية. الشباب الذين يُسمح لهم بالصعود غالبًا ما يتم اختيارهم وفق منطق الولاء والزبونية، لا على أساس الكفاءة أو الرؤية.
5. الانتخابات بين المشاركة والمقاطعة
أحد التحديات الكبرى التي ستواجه الأحزاب في 2026 هو إقناع المواطن بالمشاركة. نسبة العزوف الانتخابي في الاستحقاقات السابقة كانت عالية، ومن المتوقع أن تستمر إذا لم يظهر ما يقنع الناس بأن هذه الانتخابات ستغير شيئًا من واقعهم. هنا يصبح “التجديد الحقيقي” ضرورة قصوى، لأنه وحده القادر على إعادة الثقة. لكن إذا ظل الأمر مجرد تدوير للنخب، فإن العزوف قد يتحول إلى ظاهرة هيكلية يصعب علاجها.
6. التجديد الحقيقي: ما معناه؟
التجديد الحقيقي لا يعني فقط استقدام شباب ونساء إلى الواجهة، بل يعني أيضًا:
إعادة صياغة البرامج الحزبية على أساس حاجيات واقعية وملموسة للمواطن.
القطع مع منطق الولاءات العائلية والقبلية والمالية في توزيع التزكيات.
اعتماد الشفافية الداخلية في اختيار القيادات بدل القرارات المعلبة من فوق.
الاعتراف بالأخطاء السابقة ومصارحة الناخب بها، بدل التهرب منها.
7. التدوير: استمرار في الحلقة المفرغة
أما إذا ظل الحال على ما هو عليه، فإننا سنجد أنفسنا مرة أخرى أمام نفس الأسماء التي تقاعدت سياسيًا ثم عادت من النافذة، أو أمام أبناء وأصهار قيادات قديمة يرثون المقاعد كما تُورث العقارات. هذا التدوير لا ينتج سوى مزيد من السخط الشعبي، ويكرس صورة الأحزاب كنوادٍ مغلقة لا تسمح بالاختراق إلا عبر علاقات شخصية.
8. المشهد في 2026: بين الأمل والخيبة
يبقى الباب مفتوحًا على سيناريوهين:
إما أن تلتقط بعض الأحزاب اللحظة التاريخية، وتغامر فعليًا بفتح الأبواب أمام نخب جديدة ذات كفاءة ورؤية، مما قد ينعش الحياة السياسية ويعيد جزءًا من الثقة.
أو أن يستمر المشهد كما هو: نفس الوجوه، نفس الخطابات، نفس الوعود، وبالتالي نفس الخيبات.
خلاصة
استحقاقات 2026 ليست مجرد محطة انتخابية عابرة، بل هي اختبار حقيقي لمدى قدرة الأحزاب على التغيير من الداخل. إذا كان التجديد مجرد تغيير في الواجهة الإعلامية مع بقاء الجوهر نفسه، فإننا سنكون بصدد إعادة تدوير للنخب لا أكثر. أما إذا تجرأت الأحزاب على مراجعة عميقة في بنيتها وأفكارها، فقد يكون لنا موعد مع تحول سياسي حقيقي.
لكن، وبصراحة مُرَّة، التجربة السابقة تجعلنا نتوقع أن “التدوير” سيظل سيد الموقف… إلا إذا حدثت مفاجأة تُغيّر قواعد اللعبة.




