اعتصام أولاد يوسف… حين أُسقط المواطن من خزان الماء بدل أن يُسمَع صوته

ضربة قلم
لو كنا في بلد يُصغي فيه المسؤولون، ويُمارس فيه التواصل لا القمع، والاحتواء لا التهويل، لربما لم نكن لنشهد ما حدث في دوار أولاد يوسف من مشهد يُجمّد الدم في العروق. لكن، ولأننا لا نعيش بعد في بلدٍ يجعل من الحكمة أداة للحكم، ومن الكلمة الطيبة سياسة وقائية، تحوّل اعتصام فردي دام أكثر من أسبوعين إلى فاجعة تكشف خللًا متعدد الطبقات في علاقة الدولة بالمواطن.
شاب صعد إلى قمة خزان مائي، يحمل على كاهله حزنًا وألمًا لم يُنصت له أحد. لم يطلب مالاً ولا امتيازًا. كل ما أراده هو تحقيق، مجرد تحقيق في ظروف وفاة والده. لكن بدل أن يُستقبل بصدر رحب ويُطمأن بعقل راجح، جرى التعامل معه كقنبلة موقوتة، لا كإنسان يصرخ تحت ثقل الفقد والخذلان.
لقد كانت المأساة قابلة للتفادي. لا لشيء، سوى أن هذا النوع من الاحتجاجات البئيسة، التي ترتمي إلى علو شاهق بحثًا عن أدنى درجات الاهتمام، لا يظهر فجأة. بل هو نتيجة تراكمات: صمت المؤسسات، جفاء الخطاب الرسمي، وضبابية العدالة في عيون الناس.
في بلد يشتغل فيه عقل الدولة، كانت لتُرسل لجنة تحقيق تُقنع المعتصم بالنزول من تلقاء نفسه. كانت لتُرسل طبيبًا نفسيًا قبل أن يُرسل عنصرًا أمنيًا. في بلد يُؤمن بأن الأمن الحقيقي يبدأ من ثقة الناس في مؤسساته، لا في عصيها وسلالمها ومروحياتها.
لكن ما حدث، ويحدث، هو العكس. نجهل كيف تُتّخذ القرارات، ومن يُخطّط للتدخلات، وما المعايير التي تُحدّد متى يُستخدم الاقتحام بدل الحوار. هل كان ضروريا أن ينتهي الأمر بسقوط الجسد في مشهد مرعب وثّقته عدسات كاميرات الهواتف؟ هل كان لا بد من تلك اللحظة التي تدلّى فيها جسد إنسان معلقًا في الهواء، ليُقطع الحبل بعدها فيسقط كما تسقط ثقة الناس في أجهزة يُفترض أنها وجدت لحمايتهم لا لتجسيد موتهم؟
ثم، ولتكتمل دائرة المأساة، نكتشف أن المعتصم كان قد احتجز قبلها عنصرًا من الوقاية المدنية، ضربه وقيّده، في فعل يائس يعكس عمق التدهور النفسي الذي وصله. هل كان ذلك ليحدث لو أن أحدًا، فقط أحدًا، أرسل له من يستمع إليه بجدية بدل تجاهله كما يُهمَل الغبار على رفّ الملفات؟
لقد فشلنا كمجتمع، وكدولة، وكمنظومة قيم، في إنقاذه. بل الأكثر من ذلك، تركناه يتعفن في عزلته، في صمته، في شكوته التي لم تجد أذنًا صاغية. ثم، حين اقتربنا منه، اقتربنا كما يقترب الجلاد من المحكوم، لا كما يقترب الطبيب من المريض.
ما جرى في أولاد يوسف ليس حادثًا عابرًا، بل علامة تحذير. علامة تقول لنا إن الحوار غائب، والثقة مهدورة، والعقل مغيب. لا أحد يحتج فوق خزان مائي لأنه يحب الارتفاع، بل لأنه بلغ القاع من الإهمال.
لو كنا في بلد التواصل والاستماع، لربما كان هذا الشاب الآن في بيته، يتلقى مواساة من مسؤول واعٍ، ويعدّ لجنازة تليق بوالده، لا ينتظر من قسم الإنعاش صدفةَ نجاة بعد سقوط مروّع. ولربما كنا نناقش اليوم طرقًا جديدة للإنصات لمطالب الناس، بدل تقنيات إنزالهم من فوق الخزانات.
لكننا، ويا للأسف، لا نزال نعيش في بلدٍ يترك الألم يتعفن حتى يصير حادثة، ثم يكتفي بالتحقيق بعد أن تقع الفأس على الرأس.
والسؤال الجوهري الذي يبقى معلقًا:
كم يلزمنا من سقوط حتى نتعلم كيف نمدّ اليد قبل أن نفقد الناس إلى الأبد؟




